في الليله اللي قررت فيها

يبارك فيكي.
سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا خلصت جلسات العلاج النفسي. مش بقول لك كده عشان أتوقع إن ده يغيّر أي حاجة بيننا.
قلت
مش هيغيّر اللي حصل.
هزت راسها.
عارفة.
وبعدين سألتني
عمرك بتفتكري أيامنا زمان؟
أيوه. كان فيه حاجات حلوة بيننا فعلًا، لكن ده ما يقللش من بشاعة اللي عملتيه.
قالت بهدوء
عارفة. ومش هطلب منك تسامحيني تاني. اكتشفت إن كل مرة كنت بطلب منك تسامحيني، كنت في الحقيقة بطلب منك تريّحيني من إحساسي بالذنب.
ما كنتش متوقعة منها الكلام ده.
كملت
أنا بس أتمنى تكوني بخير.
ابتسمت.
أنا بخير.
قالت
أنا مبسوطة عشانك.
وبعدين مشيت.
ما حاولتش أوقفها، لكن حسيت بحزن صغير. مش لأنني كنت عايزة ترجع لحياتي، لكن لأن فيه نسخة قديمة من حياتي كانت كاميليا فيها شخصًا آمنًا بالنسبة لي.
بالليل، حكيت لأدهم اللي حصل.
سألني
حاسة بإيه؟
زعلانة.
ابتسم وقال
تحبي أقول لك كلامًا وحشًا عنها؟
ضحكت.
لأ.
قعد جنبي وقال
خلاص، نزعل شوية.
وده اللي عملناه.
بعد سنين، لسه كنت أفتكر الأيام الصعبة اللي مريت بيها، والخۏف اللي عشته، ومحاولاتي إني أخبي ۏجعي عن الناس.
وكنت أفتكر كاميليا وهي قاعدة جنبي في المستشفى، وبتعيط وبتقول إنها نفسها كانت تقدر تحميني من كل اللي حصل.
أصعب حاجة كانت إني فهمت إن دموعها وقتها ممكن تكون كانت حقيقية فعلًا.
الإنسان ممكن يحبك ويؤذيك في نفس الوقت، وممكن يحس بالذنب ومع ذلك يكمل في أفعاله.
كاميليا كانت طيبة معايا في مواقف كتير، ووقفت جنبي، واحتفلت بنجاحي، وفي الوقت نفسه كانت بتخطط لإسقاطي.

والحاجتين دول ممكن يكونوا حصلوا فعلًا.
مع الوقت فهمت إن التعافي مش معناه إني أختار صورة واحدة منها؛ التعافي معناه إني أقبل إن الصورة معقدة، من غير ما أسمح للتعقيد ده يرجعني لنفس العلاقة المؤذية.
بعد خمس سنين من جوازنا، حضرنا حفلًا خيريًا في نفس القاعة اللي اتعملت فيها حفلة خطوبتنا.
ما أخدتش بالي من المكان في الأول، لكن بمجرد ما دخلت، عرفت العمود اللي كانت كاميليا واقفة جنبه، والمسرح، والممر اللي كان بيوصل للقاعة الجانبية.
جسمي اتوتر قبل ما عقلي يستوعب السبب.
أدهم لاحظ.
عايزة نمشي؟
بصيت حواليّ.
المكان اللي ارتبط في ذاكرتي بأقسى لحظات حياتي، كان هو نفسه المكان اللي وقفت فيه لأول مرة ودافعت عن نفسي قدام الناس.
قلت له
لأ. عايزة أفضل.
مسكت إيده ودخلنا.
ما حدش من الموجودين كان يعرف معنى المكان ده بالنسبة لي، وده كان مريحًا.
في نص السهرة، وقفت قدام مراية كبيرة، وبصيت لنفسي شوية.
افتكرت البنت اللي كانت خاېفة ومقتنعة إنها ما بقتش تستحق الحب، وبعدها بصيت للست اللي بقيتها ست أكبر شوية، عندها جواز قائم على الاختيار والاحترام، وشغل بتحبه، وأصحاب بتديهم ثقتها بالتدريج، وعيلة اتعلمت معاها إن الحب مش معناه إلغاء الحدود.
كانت عندي حياة.
حياتي أنا.
افتكرت السؤال اللي بدأ الحكاية
إيه أسهل طريقة تغيّر بيها حياتك؟
كاميليا كانت فاكرة إن أسهل طريقة هي إنها تدمر حياة حد تاني، وتاخد مكانه.
لكنها كانت غلطانة.
مفيش تغيير حقيقي بييجي بسهولة. التغيير محتاج إنك تعترف إن شخصًا بتحبه مش بالضرورة يكون الشخص اللي كنت فاكره. ومحتاج إنك تقول الحقيقة، حتى لو الناس شافتك قاسيًا لمجرد إنك بطلت تسمح لهم يؤذوك.
هي حاولت تغيّر حياتها عن طريق إنها تسرق مكاني.
أما أنا، فغيّرت حياتي لما قررت أسترد حقي في إني أكون نفسي.
ما احتجتش أخد مكانها، ولا احتجت أشوفها مدمرة، ولا احتجت أتحول لشخص تاني.
كل اللي احتجته إني أبطل أدي الآخرين الحق في تحديد قيمتي، وأصدق نفسي قبل ما أصدق أي حكاية بيحاولوا يفرضوها عليا.
أدهم ظهر ورايا في المراية.
كل حاجة تمام؟
بصيت له وابتسمت.
أيوه.
قال
إنتِ واقفة قدام المراية بقالك خمس دقايق.
ضحكت.
يمكن أنا نرجسية.
رد بسرعة
كنت شاكك في الموضوع من زمان.
خبطته بخفة في دراعه، فضحك.
نرجع؟
بصيت لنفسي مرة أخيرة.
لو كان بإمكاني أقول حاجة لسلمى اللي كانت في أسوأ لحظاتها، ما كنتش هقول لها إن كل حاجة هتبقى حلوة، لأن الحياة مش دايمًا بتدينا اللي إحنا عايزينه.
كنت هقول لها
إنتِ مش الحكاية اللي الناس ألفوها عنك.
إنتِ مش الست اللي اتهموها بعلاقات ما حصلتش، ولا البنت اللي لازم تعيش عشان ترضي أهلها، ولا إنسانة مستحيلة الحب.
إنتِ بس إنسانة اتظلمت، وبعدها اتعلمت تشوف الحقيقة.
مسكت إيد أدهم وقلت
يلا بينا.
رجعنا للقاعة. المرة دي ما كانش فيه ظرف مستنيني، ولا صاحبة بتخطط لإسقاطي، ولا عيلة مستعدة تقرر مستقبلي بدلًا مني.
كان فيه موسيقى، وناس بتتكلم، وحياة عادية مش مثالية، لكنها حياتي أنا.
في يوم حفلة الخطوبة، كنت فاكرة إن خسارة سمعتي معناها إني خسړت كل حاجة.
لكن مع الوقت فهمت إن الخطړ الحقيقي ما كانش إن الناس تصدق كڈبة عني.
الخطړ كان إني أصدقها أنا كمان.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *