في الليله اللي قررت فيها

من غير تلميحات ولا أعذار.
بعد تلات أسابيع، كاميليا نشرت بيانًا اعترفت فيه إنها نشرت معلومات مضللة عني، واستخدمت مواقف حقيقية خارج سياقها، واستغلت أسرارًا خاصة حكيتها لها خلال سنين صداقتنا.
واعترفت إن تصرفاتها كانت بدافع الغيرة والاستياء الشخصي، وإن اټهامات أساسية في الملف كانت كاذبة.
قريت البيان مرة واحدة، وبعدها قفلت الموبايل.
ما حسيتش بانتصار، قد ما حسيت إن فيه مساحة فاضية أخيرًا جوه دماغي.
بعد شهر، كاميليا طلبت تقابلني. رفضت. وبعد محاولات تانية، بعتت لي جوابًا.
احتفظت بيه أسبوع قبل ما أفتحه.
سلمى،
أنا عارفة إني ما استحقش إنك تقري الكلام ده.
مش هقول إني ما كنتش عارفة أنا بعمل إيه. أنا كنت عارفة.
في الأول كانت حاجات صغيرة. تعليق، كڈبة، موقف أخلي فيه حد يبص لك أقل شوية. وكل مرة كانت بتنجح، كنت بحس براحة.
أنا ما كنتش بكرهك طول الوقت. أنا كنت بحبك كمان، ودي أصعب حاجة يمكن تفهميها.
كنت بحبك، وفي نفس الوقت بحس إني قليلة وأنا جنبك. كل ما تنجحي في حاجة، كنت بحس إن نجاحك دليل على فشلي.
ولما عرفتي أدهم، افتكرت إنك أخيرًا ممكن تخسري حاجة. وبعدها بدأت أتخيل لو كنت أنا اللي في مكانك.
عارفة إن ده مش مبرر لأي حاجة عملتها. دي بس الحقيقة.
مش مستنية منك تسامحيني.
قفلت الجواب قبل ما أكمله، وطويته واحتفظت بيه.
فهمت إن اعتراف كاميليا بالحقيقة مش معناه إني بقيت ملزمة أسمع منها كل حاجة، أو أديها فرصة ترجع لحياتي.
وإن المسامحة، حتى لو حصلت يومًا، مش معناها إني أرجع متاحة للشخص اللي أذاني.
علاقتي بأدهم بقت أبسط وأوضح مع الوقت. أجلنا الجواز، لكن ما فسخناش الخطوبة، وما بقاش عندنا موعد محدد.
وفي يوم كنا بنتمشى في حديقة عامة، قال لي
اكتشفت إني ما كنتش أعرفك كويس زي ما كنت فاكر.
ضحكت.
يا سلام! ده كلام رومانسي جدًا.
ابتسم وقال
كنت عارف إنك بتحبي القهوة من غير سكر، لكن ما كنتش عارف إنك لما پتخافي، بتتحولي لشخص عملي زيادة عن اللزوم.
قلت له
وأنا كنت فاكرة إنك ساعات بتبقى بارد لما تنشغل بالشغل وما تردش عليا. دلوقتي فهمت إنك ممكن تكون مشغول فعلًا، مش معنى كده إنك مش مهتم.
بص لي وابتسم.
أهو كده بقينا نعرف بعض.
مع الوقت، حياتنا بدأت تهدى. أمي بدأت تروح لجلسات علاج نفسي، وبابا بطل يتعامل مع كلام الناس كأنه قانون لازم نمشي عليه.
وأنا بدأت أشتغل مع مؤسسة بتدعم الطالبات اللي بيتعرضوا للتحرش وبيحتاجوا مساعدة قانونية ونفسية.
ما عملتش ده عشان أحول ألمي لبطولة، لكن لأني كنت عارفة إحساس البنت اللي بتحكي تجربة مخيفة وهي مش واثقة إن حد هيصدقها.
في يوم، بنت عندها عشرين سنة سألتني
عرفتي إزاي إنك لازم تتكلمي؟
قلت لها
أنا ما كنتش متأكدة. كنت خاېفة طول الوقت.
بصت لي بدهشة.
بس إنتِ اتكلمتي.
ابتسمت.
أيوه. ساعات الشجاعة مش معناها إنك ما تخافيش. معناها إنك تعملي خطوة رغم خۏفك.
بعد فترة، أدهم فاجأني بحجزين سفر لإيطاليا.
قلت له
إيه ده؟
إجازة. إحنا بقالنا سنين ما سافرناش من غير ما يكون فيه شغل أو مشكلة عائلية.
سافرنا، وقضينا أيامًا جميلة بعيد عن ضغط الحياة.
وفي يوم كنا قاعدين في مطعم هادي، بناكل آيس كريم، بص لي وقال
أنا عايز أتجوزك.
ضحكت.
ما إنت قلت الكلام ده قبل كده.
قال
المرة الأولى قلت لك كده لأننا بقالنا سنين مع بعض، وعيلتنا مبسوطة، والجواز كان الخطوة الطبيعية اللي بعدها. المرة دي بقول لك إني عايز أتجوزك لأني عارف إنك ساعات بتبقي صعبة، وعارف إني أنا كمان مش سهل.
وبعدين بقى جاد.
أنا عارف إني مش هقدر أحميكي من كل حاجة، وإن فيه حاجات هتضطري تواجهيها بنفسك. لكني عايز أبني معاكي حياة، كل واحد فينا فيها يبقى من حقه يتسمع من غير ما يضطر يثبت إنه يستحق ده.
مد إيده ناحيتي.
تتجوزيني يا سلمى؟
بصيت له، وافتكرت الأيام اللي كنت فيها مقتنعة إن مفيش أي سبب يخليني أكمل، وإن كل الناس پتكرهني.
لكن دلوقتي كنت قاعدة قدام راجل بيسألني عن اختياري، ومستعد يسمع إجابتي مهما كانت.
ابتسمت وقلت
أيوه.
اتجوزنا بعد ست شهور في فرح صغير حضره سبعين شخصًا من الناس اللي كنا فعلًا عايزينهم يكونوا معانا.
أمي عيطت من الفرحة، والحاجة نوال حاولت تنكر إنها عيطت هي كمان.
وبابا مشي معايا لحد مدخل القاعة، وقبل ما نتحرك سألني
إنتِ متأكدة يا بنتي؟
ابتسمت. زمان كان ممكن يقول لي كل حاجة جاهزة، بلاش تعملي مشكلة. لكن المرة دي كان بيسألني فعلًا.
حضنته وقلت
أيوه يا بابا.
قال
خلاص، يلا بينا.
كاميليا ما كانتش مدعوة. وبعد شهور، عرفت إنها انتقلت لمدينة تانية واشتغلت في شركة صغيرة. ما سألتش عنها، لأن حياتها بقت تخصها هي.
بعد سنتين، قابلتها بالصدفة في مكتبة.
اتقابلت عيوننا، وهي اللي بدأت الكلام.
إزيك يا سلمى؟
الحمد لله. إنتِ عاملة إيه؟
كويسة. عرفت إنك اتجوزتي. مبروك.
الله

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *