بعد تلات اسبايع
وكان أول مكان لازم أروحه هو المستشفى.
لما دخلت أوضة يارا، لقيتها صاحية، قاعدة على السرير، وباصّة من الشباك بشرود.
كانت بنتنا نايمة في سريرها الصغير جنبها، ويارا كل شوية تمد إيدها تتأكد إنها موجودة، وبعدين ترجع تبص من الشباك كأنها مستنية مصيبة جديدة تحصل.
أول ما شافتني، حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها اختفت بسرعة.
قربت منها وقعدت جنب السرير، ومديت إيدي مسكت إيدها بين إيديا.
— عاملة إيه يا حبيبتي؟
— أحسن شوية.
بصيت في عينيها، وعرفت إنها مش بتتكلم عن وجع العملية بس. كان فيه خوف جواها أكبر من أي ألم جسدي.
قلت لها:
— أنا عارف إنك عديتي بأيام صعبة، وعارف إن كلمة آسف مش هتصلح كل اللي حصل. بس أنا بوعدك إنك مش هتواجهي حاجة لوحدك تاني.
نزلت عينيها لإيدينا المتشابكة، وقالت بصوت واطي:
— أنا مش خايفة على نفسي يا حسام. أنا خايفة على بنتنا. كل ما أغمض عيني، أفتكر إن ممكن حد ياخدها مني، أو يقول عليّا إني مش أم كويسة، وأنا والله ما عملت حاجة غير إني حاولت أحافظ على بيتي.
حسيت بغصة في حلقي.
— محدش هيقدر ياخدها منك لمجرد كلام أو ورق مش معروف مصدره. كل حاجة هتتم بالقانون، وأي ادعاء لازم يتراجع ويتثبت. وإنتِ مش مطالبة تثبتي إنك أم كويسة لحد بيحاول يظلمك.
رفعت عينيها ليا، والدموع بدأت تتجمع فيها.
— حتى لو اللي بيظلمني أمك؟
السؤال وقفني لحظة.
كنت عارف إنها مش بتسأل عن أمي بس. هي كانت بتسأل إذا كنت هفضل واقف جنبها لما الصراع يبقى بين مراتي وأمي، وإذا كنت هقدر أتحمل تبعات اختياري.
مسكت إيدها أكتر وقلت:
— حتى لو اللي بيظلمك أقرب الناس ليا. أنا مش هسمح لحد يعتدي عليكي أو على بنتي، ومش هخبي الحقيقة عشان خاطر أي حد.
يارا سكتت شوية، وبعدها قالت:
— أمك مش هتسكت يا حسام. إنت عارفها أكتر مني.
ابتسمت بحزن.
— أيوه، عارفها. وعشان كده لازم نكون مستعدين لأي خطوة تعملها، بس مش هنعيش أسرى للخوف منها.
حطت راسها على المخدة، وغمضت عينيها للحظات.
— أنا نفسي أرجع أنام من غير ما أخاف أصحى على خناقة جديدة.
بصيت لبنتنا، وبعدها رجعت بصيت لها.
— هتنامي وإنتِ مطمنة يا يارا. يمكن الموضوع ياخد وقت، ويمكن نمر بأيام صعبة، لكن مش هسيبك ترجعي لنفس الحياة دي تاني.
المرة دي، لما ابتسمت، حسيت إن ابتسامتها فيها ذرة أمل حقيقي.