اربع بنات
أربع بنات صغيرين مرعوبين زحفوا تحت الترابيزة بتاعتي في كافيه في القاهرة، وفضلوا يترجّوني إني أعمل نفسي أبوهم! كان فيه راجل بيدوّر عليهم، والخوف منه كان باين في عينيهم لدرجة إن أصغر واحدة فيهم اتشبثت في رجلي كأن حياتها متوقفة على إني أحميها. لكن اللي البنات ماكانوش يعرفوه، إنهم اختاروا يستخبّوا عند آدم المنشاوي… الراجل اللي أخطر المجرمين في مصر كانوا بيحسبوا له ألف حساب!
أول وش صغير ظهر من تحت الترابيزة بتاعتي كان بهدوء لدرجة إني تقريبًا ماخدتش بالي منه. وبعد ثواني، لقيت تلات بنات تانيين بيزحفوا وراه، لحد ما الأربع بنات اتلمّوا جنب بعض تحت الترابيزة، لابسين بالطوهات كحلي شبه بعض، وفي شعرهم توك وشرائط لونها أوف وايت بتترعش مع رعشة أجسامهم من الخوف.
إيدي وقفت في نص الطريق وأنا برفع فنجان الشاي لبُقي.
بصيت تحت الترابيزة، فلقيت أربع وشوش صغيرة، كل واحد فيهم بيحكي حكاية مختلفة.
واحدة عينيها مليانة رعب، والتانية باصة حواليها بعصبية كأنها مستعدة تخرب الدنيا، والتالتة بتحاول تمنع دموعها بالعافية، أما أصغر واحدة فيهم فكانت ماسكة في رجل بنطلوني بإيديها الاتنين، كأنها لو سابتني هتضيع للأبد.
همست الصغيرة بصوت مبحوح
والنبي… ساعدنا!
في مصر، كان اسمي معروف عند ناس كتير، لكن مش كل الناس كانت تعرفني بالاسم الحقيقي.
ورا الأبواب المقفولة، كنت مسيطر على شغلانات كتير، ونفوذ في أماكن محدش بيقدر يقرب منها، وشبكة معلومات بتوصلني بأسرار ناس كتير. وكان فيه رجالة عارفة كويس إن الخيانة عندي تمنها غالي، وإن الغلطة اللي بتتحسب عليهم ممكن تغيّر حياتهم كلها.
أنا اتعلمت أميّز الخوف من نظرة واحدة.
لكن إني أشوف الخوف بالشكل ده في عيون أربع بنات مالهمش ذنب في أي حاجة، خلّى حاجة جوا صدري تنقبض.
حاولت أهدّي صوتي وسألتهم
إنتوا تايهين من مامتكم يا حبايبي؟
الأربع بنات هزّوا راسهم بالنفي في نفس اللحظة.
أصغر واحدة بصّت ناحية مدخل الكافيه، وهناك شفت ست واقفة لابسة بدلة رمادي غامق، وعلى يمينها وشمالها راجلين شكلهم مش مريح.
البنت قربت مني وهمست
دي ماما.
بصيت للست كويس.
شعرها الكستنائي الغامق كان ملموم بعناية، ولبسها كان شيك ومرتب، لكن عينيها فضحتها. كانت بتلف بنظرها على كل اللي قاعدين في الكافيه، وكأنها بتدور على حاجة ضايعة منها، أو خايفة تلاقيها.
قلت للبنات بهدوء
طب ما ترجعوا لمامتكم يا حبايبي. أكيد هي قلقانة عليكم.
فجأة، الأربع أصوات طلعوا مع بعض
لأااااا!
الصوت كان حاد لدرجة إني نزلت فنجان الشاي من إيدي على الترابيزة وبصيت لهم بتركيز.
أصغر بنت رفعت وشها وبصت في عيني مباشرة. كانت عينيها مليانة دموع، وشفايفها بتترعش وهي بتقول
والنبي، اعمل نفسك بابانا!
ساعتها حسّيت إن صوت الكافيه كله اختفى.
أنا اللي قضيت سنين طويلة بتعامل مع رجالة مابتعرفش الرحمة، وأسرار ممكن تودّي أصحابها في داهية، وخيانات بتتعمل عشان الفلوس والنفوذ… عمري ما تخيلت إن أربع بنات صغيرين يقدروا يوقفوني مكاني بكلمتين.
بصيت لها وسألتها
ليه يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل؟
بنت من البنات ردت بسرعة
عشان عمو مراد بيقول إننا لازم يبقى لينا بابا!
التانية دخلت في الكلام وهي بتكتم عياطها
بس إحنا مش عايزينه هو!
عيني اتحركت ناحية الراجلين اللي واقفين جنب أمهم.
سألتهم بنبرة أهدى، لكن جوايا بدأ الغضب يتحرك
مين فيهم مراد؟
البنت اللي كانت باصة بعصبية رفعت صباعها وأشارت ناحية راجل واقف قريب من باب الكافيه.
كان لابس بدلة غالية، وشعره متسرّح بعناية، وواقف بثقة واحد متعود إن الناس تسمع كلامه من غير ما تعترض.
قالت البنت
هو ده!
فضلت باصص له ثانيتين، وبعدين رجعت بصيت للبنات.
طب عمل لكم إيه؟
واحدة منهم ردت بصوت واطي
قال لماما إنها ست صعبة، ومحدش يقدر يعيش معاها.
التانية قالت بسرعة، وكأنها كانت مستنية حد يسمعها
وقال إن مفيش راجل هيحترم واحدة معرفتش تحافظ على جوزها!
أما التالتة، فكانت دموعها بدأت تنزل فعلًا، وقالت
وقال إن عيلتنا مكسورة، وإننا مش عيلة طبيعية زي باقي الناس.
حسّيت إني بدأت أفهم الصورة، لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
بصيت لأصغر واحدة، لقيتها شدت في بنطلوني أكتر، وقالت بصوت واطي جدًا
هو قال إنه هيصلّحنا يا عمو.
الجملة دي خلت الدم يبرد في عروقي.
هيصلّحهم؟!
كأنهم لعبة بايظة، أو حاجة مكسورة في إيده، ومن حقه ياخدها ويعمل فيها اللي هو عايزه!
سألتهم وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي
هو مدّ إيده على واحدة فيكم قبل كده؟
الأربع بنات هزّوا راسهم بالنفي.
سألت تاني
طب هدّدكم؟ قال لكم إنه هيعمل فيكم حاجة وحشة؟
المرة دي، محدش رد.
الصمت اللي نزل بينهم كان كفاية يخليني أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد راجل بيحاول يتقرب من أمهم.
بعد لحظات، واحدة منهم بلعت ريقها وقالت
هو قال لماما إنها هتتجوزه في يوم من الأيام، سواء هي موافقة أو لأ.
بنت تانية كملت
وقال لنا لازم نتدرّب نناديه يا بابا، عشان لما ييجي يعيش معانا مانتكسفش قدام الناس.
قبضت إيدي تحت الترابيزة من غير ما أحس.
أنا عارف النوع ده من الرجالة كويس.
الراجل اللي يفتكر إن السيطرة اسمها حب، وإن رفض الست ليه مجرد عقبة لازم يتخلص منها. اللي يتعامل مع حياة الناس كأنها ملكه، ويقرر مين يعيش معاهم ومين يمشي، وكأن محدش من حقه يقول له لأ.
في اللحظة دي، افتكرت ابني ياسين.
ياسين كان أغلى حاجة في حياتي، والوحيد اللي كان بيشوفني بعيد عن اسمي ونفوذي وكل اللي الناس بتخاف منه. من يوم ما أمه ماتت من سنين، وهو بقى السبب اللي بيفكرني كل يوم إن فيه حاجات في الدنيا مالهاش تمن، مهما كان معاك فلوس.
كنت فاكر نظرة الخوف اللي شفتها في عينيه زمان، يوم ما اضطر يواجه حقيقة إن الدنيا مش دايمًا آمنة، وإن حتى الناس اللي المفروض تحميك ممكن تسيبك لوحدك.
الأطفال مش بيهمهم إنت مين، ولا معاك كام مليون، ولا الناس بتخاف منك قد إيه.
اللي يهمهم إنهم يحسوا بالأمان وهما جنبك.
والأغرب إن أربع بنات مايعرفونيش، ولا يعرفوا أنا مين أصلًا، اختاروني أنا بالذات عشان أكون الأمان ده بالنسبالهم.
نزلت فنجان الشاي على الترابيزة بالراحة، وملت بجسمي ناحيتهم.
وقلت
خلاص يا حبايبي.
الأربع بنات رفعوا عينيهم ليا في نفس اللحظة.
أصغر واحدة سألتني وهي مش مصدقة
خلاص إيه؟
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وبصيت ناحية أمهم اللي كانت لسه واقفة عند المدخل، وبعدها رجعت بصيت للبنات.
وقلت
خلاص يا ستي، هعمل نفسي باباكم. ومحدش هيقرب منكم طول ما إنتوا قاعدين معايا.
وش الصغيرة اتغيّر في ثانية.
الخوف اللي كان مالي عينيها بدأ يختفي، وظهر مكانه ارتياح صغير، كأنها أخيرًا لقت حد ممكن تسند عليه.
لكن قبل ما تلحق تقول أي كلمة، سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب من الترابيزة.
خطوات بطيئة…
وثابتة…
ومقصودة.
الأربع بنات اتجمّدوا في أماكنهم.
البنت اللي كانت ماسكة في رجلي شدت قبضتها لدرجة إني حسّيت بصوابعها الصغيرة من فوق القماش.
رفعت عيني ناحية مصدر الصوت.
الأستاذ مراد كان جاي ناحيتي مباشرة.
وشه كان متغير، وعينيه بتتنقل بين الترابيزة ووشي، وكأنه بدأ يشك إن فيه حاجة مش ماشية زي ما هو مخطط.
وقف قدامي، وعدّل ساعة إيده الغالية، وبص لي من فوق لتحت بنظرة مليانة استعلاء.
وبعدين قال بصوت عالي، متعمد إن كل اللي قاعدين يسمعوه
لو سمحت يا أستاذ، البنات دول تبعنا. ياريت تبعدهم عنك وتسيبهم يرجعوا لمامتهم.
ما اتحركتش من مكاني.
رفعت فنجان الشاي، أخدت رشفة هادية، وبعدين حطيته تاني على الطبق.
وبصيت له وقلت
تبعكم؟!
ابتسامته اختفت للحظة.
أيوه، تبعنا. فيه مشكلة؟
ملت ضهري على الكرسي، وبصيت في عينيه مباشرة.
المشكلة إن أربع بنات صغيرين مستخبيين تحت ترابيزتي من الخوف منك، وإنت جاي تتكلم عنهم كأنهم شنطة نسيتها في مكان عام!
وشه احمر، وبص ناحية الناس اللي بدأت تركز معانا.
واضح إنهم فهموك غلط يا أستاذ. أنا خاطب أمهم، ودي مسألة عائلية، مالكش دعوة بيها.
كنت لسه هرد عليه، لكن أصغر بنت خرجت نص جسمها من تحت الترابيزة، وصرخت بصوت مليان رعب
لأ! إنت كدّاب! إنت قلت لماما إنك لو ماوافقتش تتجوزك، هتاخدنا منها!
الكافيه كله سكت.
حتى أم البنات، اللي كانت واقفة عند الباب، سمعتها.
وشها شحب، وجريت ناحيتنا وهي بتقول
ليلى! اسكتي يا حبيبتي!
لكن البنت ما سكتتش.
بصت لمراد، وبعدها بصت لي وأنا شايفة دموعها بتنزل على خدودها.
هو قال لنا إنه يعرف ناس في الشرطة، وإن محدش هيقدر يمنعه ياخدنا من ماما!
في اللحظة دي، مراد فقد هدوءه تمامًا.
مد إيده ناحية البنت بعنف وهو بيزعق
إنتِ هتخرسي بقى؟!
لكن إيده ماوصلتش لها.
أنا مسكت معصمه في نص الطريق.
ما ضغطتش عليه بقوة، وما احتجتش أزعق. كل اللي عملته إني رفعت عيني له وقلت بصوت واطي
إيدك دي لو قربت من طفلة تاني، هتكون آخر مرة تمدّها على حد وإنت فاكر نفسك مسيطر.
حاول يشد إيده، لكنه ماقدرش يحررها بسهولة.
بص لي بغضب وقال
إنت عارف إنت بتكلم مين؟!
ابتسمت ابتسامة باردة.
لأ، بس واضح إنك إنت اللي لسه ماتعرفش إنت بتكلم مين.
وفجأة، واحد من الراجلين اللي كانوا واقفين معاه قرب بسرعة، لكنه وقف مكانه أول ما شاف وشي.
عينيه وسعت، وشفايفه اتحركت من غير ما يطلع صوت.
وبعدين همس لمراد
يا باشا… سيب إيده.
مراد بص له باستغراب.
إنت بتقول إيه؟!
الراجل بلع ريقه، وعينيه ما سابتش وشي.
ده آدم المنشاوي!
ولأول مرة من ساعة ما دخل الكافيه، شفت الخوف الحقيقي يظهر في عيني مراد.
لأنه أخيرًا عرف إن الراجل اللي البنات استخبّوا عنده مش مجرد زبون قاعد بيشرب شاي… ده الراجل اللي اسمه لوحده كان كفاية يخلي أخطر رجالة البلد يعيدوا حساباتهم ألف مرة قبل ما ياخدوا خطوة غلط.
الأربع بنات اللي استخبّوا تحت ترابيزتي… والسر اللي قلب حياة آدم المنشاوي
مراد وقف مكانه كأن حد صبّ عليه جردل ميّه ساقعة.
إيده اللي كان بيحاول يحررها من قبضتي بطّلت تتحرك، وعينيه فضلت معلقة في وشي، بيحاول يستوعب إن الراجل اللي كان من شوية بيزعق له عشان يبعد عنه البنات، هو نفسه آدم المنشاوي.
واحد من الرجالة اللي معاه قرب