اتنكر في زي عمل نظافه
من الفرن اللي على الناصية؟!
أهو أهو، من الفرن اللي على الناصية فعلًا، وجيت ماشي على رجلي كمان!
أمينة هزت راسها وهي بتضحك.
طب إنت عايز إيه في المقابل؟
ابتسامة جلال اختفت، وبص لها بجدية.
ولا حاجة إنتِ مش عايزة تديهالي.
أخد نفس عميق وكمل
سنين طويلة كنت فاكر إن أي مشكلة ممكن تتحل بالفلوس. وبعدها استخبيت ورا زي عامل نظافة عشان أعرف إذا كانت الست اللي ابني هيتجوزها تستحق تدخل عيلتنا ولا لأ.
أمينة وطّت عينيها.
وفي الآخر اكتشفت حاجات أكتر بكتير مما كنت متوقع.
جلال مسك إيدها برفق.
اكتشفت إن أنا كمان لسه عندي حاجات كتير أتعلمها.
بصلها بعينين مليانين صدق.
الليلة اللي رقصنا فيها سوا، ما كانش معايا فلوس ولا اسم ولا شركات. كنت مجرد راجل عجوز تعبان وخاېف، ولأول مرة من سنين حس إن فيه حد ممكن يحبه من غير ما يبص للي في جيبه.
عيني أمينة دمعت.
وأنا كمان حسيت بحاجة ناحيتك يا جلال. لكن وجعني إني اكتشفت إنك كنت بتكدب عليا.
جلال هز راسه.
عارف، ومش هطلب منك تنسي اللي حصل.
بعدها طلع علبة صغيرة من جيبه وفتحها.
كان جواها خاتم فضة بسيط، صممه صايغ من الصاغة في المنطقة.
قال لها
أنا مش جاي أشتري محبتك يا أمينة. أنا جاي أحاول أستحقها.
أمينة بصت للخاتم، وبعدها رفعت عينيها لوشه.
وبتعرض عليا إيه بالضبط؟
جلال ابتسم بتردد.
قهوة كل صباح. ومشاوير على قد ما صحتي تسمح. وواحد يسمعك لما تكوني مضايقة، ويتعلم يعيش من غير ما يدي أوامر للناس طول الوقت.
أمينة ضحكت وسط دموعها.
حكاية إنك تبطل أوامر دي شكلها هتبقى أصعب حاجة عليك!
هحاول، ووعد مني إني أتدرب كل يوم.
أمينة أخدت الخاتم من العلبة.
خلاص، يبقى تبدأ من بكرة. الساعة تمانية الصبح. وإوعى تتأخر!
جلال حضنها، وحس بفرحة كان فاكر إنه مش هيحس بيها تاني أبدًا.
ومن جوه المطبخ، كانت سلمى بتتفرج عليهم وهي بتبتسم.
الدرس اللي اتعلمه كريم
بعد شهور، كريم راح يزور أبوه.
دخل البيت، فلقى جلال بيغسل المواعين، بينما أمينة بتحضّر القهوة.
كريم وقف عند باب المطبخ وقال باندهاش
يا بابا، إنت ممكن تجيب أي حد يغسل المواعين بدل ما تتعب نفسك!
جلال لف له وهو بيضحك.
أقدر يا ابني، بس النهارده الدور عليا.
كريم بص للمريلة البيضا المعلقة جنب الباب.
عرفها على طول، ولاحظ العلامة الوردية الصغيرة اللي لسه موجودة جنب الجيب.
وفهم ليه أبوه رفض يرميها رغم كل اللي حصل.
المريلة دي ما كانتش مجرد ذكرى لإهانة اتعرض لها قدام 180 مدعو.
كانت ذكرى اليوم اللي راجل عنده مليارات اكتشف فيه إن الثروة مش معناها إن صاحبها يعرف يميّز بين الإنسان الطيب والإنسان اللي بيجري ورا مصلحته.
مع الوقت، كريم حط خاتم أمه فاطمة في علبة خشب صغيرة، واحتفظ بيه في مكان آمن.
وقرر إنه عمره ما هيدي الخاتم لواحدة لمجرد جمالها أو اسم عيلتها أو مكانتها الاجتماعية.
كان مستني يتعرف على إنسانة تعامل عامل البوفيه بنفس الاحترام اللي بتعامل بيه رجل الأعمال.
لأن أبوه دخل القصر متنكر عشان يكتشف حقيقة خطيبة ابنه.
لكنه خرج من التجربة دي وهو عارف إن أغلى حاجة اكتشفها ما كانتش المؤامرة، ولا حتى قدرته على حماية ثروته.
كانت أمينة.
الست اللي عاملته بطيبة لما كانت فاكرة إنه مجرد عامل نظافة عجوز، ما عندوش حاجة يقدمها لها.
وفي آخر مرة اتكلم فيها جلال عن حكايته قدام الناس، سأله واحد من الحاضرين
يا حاج جلال، إيه أهم يوم في حياتك كلها؟ يوم ما أسست شركاتك؟ ولا يوم ما
كسبت أول مليون؟ ولا يوم ما اتولد ابنك؟
الناس كلها كانت مستنية يسمعوا إجابة عن النجاح والفلوس.
لكن جلال رد من غير تردد
أهم يوم في حياتي كان اليوم اللي ست ما تعرفنيش فيه، ادتني مريلة أمها عشان ما تخلينيش أتعرض للإهانة.
وبص ناحية أمينة، اللي كانت قاعدة وسط الحاضرين، وكمل
قضيت 73 سنة من عمري بتعلم إزاي أكسب فلوس، لكن لسه كان ناقصني أتعلم إزاي أعرف قيمة الحاجة اللي ما تتشرّاش بالفلوس.
أمينة ابتسمت له.
وجلال رد لها الابتسامة.
وفي اللحظة دي، الراجل اللي امتلك تقريبًا كل حاجة كان ممكن أي إنسان يحلم بيها، فهم أخيرًا يعني إيه يكون غني بجد.
لأن أغلى ثروة في الدنيا مش اللي بتتحط في البنوك، لكن الناس اللي بتفضل جنبك لما تفتكر إنك ما بقيش عندك أي حاجة تقدّمها لهم.