في فرح ابني
أنا فاهم يا ماما.
بعدها، ابني أنهى علاقته بخطيبته، بعد محاولات للنقاش ما وصلتش لاتفاق على طريقة التعامل بينهما، ولا على حدود الاحترام داخل الأسرة.
ما كانش القرار سهل عليه، ولا كانت نهايته انتصارًا بسيطًا لأي طرف.
خسر جزءًا كبيرًا من ترتيبات الفرح، واضطر يتعامل مع تبعات مالية وتنظيمية، واتعرض لضغط من ناس كتير كانت شايفة إن إلغاء الجواز بعد كل المصاريف ڤضيحة.
لكن لأول مرة، بدأ يتحمل مسؤولية قراراته بدل ما يسيب الخۏف من كلام الناس يختار له حياته.
أما العروسة، فحاولت تتواصل مع مراتي، وبعتت لها رسالة اعتذار.
كتبت فيها إنها كانت غلطانة، وإنها ما كانش من حقها تلمس الباروكة أو تحرجها قدام الناس، وإنها فهمت متأخرًا حجم الأڈى اللي سببته.
مراتي قرأت الرسالة، وبعدها حطت الموبايل جنبها.
سألتها
هتردي عليها؟
قالت
مش دلوقتي. أنا محتاجة وقت. الاعتذار مهم، لكن الثقة مش بترجع في يوم وليلة.
وكان عندها حق.
بعد شهرين، صحة مراتي بدأت تستقر نسبيًا، رغم إن رحلة العلاج كانت لسه مستمرة، ولسه فيه أيام صعبة بتعدي عليها.
في يوم من الأيام، كنا قاعدين في البلكونة، وهي لابسة إيشارب خفيف، وبتشرب الشاي اللي بتحبه.
بصت لي وقالت
فاكر الجواب اللي كنت شايله في الفرح؟
ابتسمت وقلت لها
طبعًا.
سألتني هو كان فيه إيه بالظبط؟
طلعت الجواب من الدرج اللي كنت حاطه فيه، وناولته لها.
فتحته بهدوء، وقرأت أول صفحة.
كان الجواب في الأصل خطابًا رسميًا من المحامي، مرفقًا به ملخص المراجعة الأولية للمستندات، وإثبات ملكية مجموعتي الاستثمارية للشركة المالكة للفندق، وإخطار بعدم اعتماد أي اتفاق تجاري لم أوافق عليه بنفسي.
ما كانش فيه وصية سرية، ولا مفاجأة سحرية، ولا ورقة تقدر تقلب حياة الناس بضغطة واحدة.
كانت فيه حقيقة كنت محتاج أواجهها إن الثقة من غير مراجعة ممكن تفتح الباب للاستغلال، وإن حماية عيلتي ما تعنيش إني أصدق كل شخص لمجرد إنه بقى جزءًا منها.
مراتي قفلت الجواب، وبصت لي وقالت
يعني كنت ناوي تفتح الموضوع يوم الفرح؟
قلت لها
كنت ناوي أواجههم بالمستندات لو اتأكدت إن فيه حاجة غلط. لكن اللي حصل ليكي خلاني أعرف إن فيه موضوع تاني أهم من أي عقد أو صفقة.
سألتني إيه هو؟
مسكت إيدها وقلت
إني ما اسمحش لأي حد، مهما كان قريب مننا، يفتكر
إن كرامتك ممكن تبقى تمن لأي حاجة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت
أنا مش عايزة ابني يخسر حياته، ولا عايزة حد يتدمر علشان اللي حصل. أنا بس عايزاه يتعلم.
قلت لها
وهو بدأ يتعلم يا حبيبتي. لكن المرة دي، لازم يكمل بنفسه.
عدت شهور، وابني بدأ يعيد ترتيب حياته من جديد.
ما بقاش يطلب مني أحل كل مشكلة بالفلوس، ولا يحاول يرضي الناس على حساب نفسه. بدأ يشتغل على مشروع مستقل، ويتحمل مصاريفه وقراراته، ويفهم إن الاستقلال الحقيقي مش في حجم الحساب البنكي، لكنه في القدرة على اتخاذ قرار صحيح وتحمل نتيجته.
أما مراتي، ففضلت تكمل علاجها، وأنا كنت معاها في كل جلسة، وكل كشف، وكل يوم صعب.
وفي إحدى الزيارات للمستشفى، شفتها بتواسي ست تانية كانت پتبكي بسبب تساقط شعرها من العلاج.
مراتي مسكت إيدها وقالت لها
إنتِ لسه إنتِ، يا حبيبتي. المړض ممكن يغير شكلنا، لكنه ما يحددش قيمتنا. وما تسمحيش لحد يخليكي تحسي إنك أقل من أي حد.
وقفت بعيد شوية، وأنا بتفرج عليها.
افتكرت اللي حصل في الفرح، والقاعة الفخمة، وال٣٠٠ شخص، والضحك اللي اتقال على حساب ۏجعها.
وافتكرت كمان إنها رغم كل ده، ما سمحتش للألم إنه يحولها لإنسانة قاسېة.
في اللحظة دي، فهمت إن أكبر درس في الحكاية كلها ما كانش إن الفندق ملكي، ولا إنني قدرت أوقف صفقة مش واضحة، ولا إن ابني أنهى جوازًا ما كانش مستعد له.
الدرس الحقيقي كان إن الإنسان ممكن يخسر فلوس، أو حفلة، أو علاقة، ويقدر يبدأ من جديد.
لكن لو خسر احترامه لنفسه، وسمح لحد يهين الإنسان اللي بيحبه وهو واقف يتفرج، يبقى لازم يراجع نفسه قبل ما يخسر أكتر.
وفي النهاية، الجواب اللي كنت شايله في جيبي ما كانش هو اللي غيّر حياتنا لوحده اللي غيّرها فعلًا كان قرارنا إننا ما نغطيش الغلط بالمظاهر، وما نشتريش راحة الناس على حساب كرامة إنسانة بتحارب علشان تعيش.