حلقه شعري زيرو

وبتتكلم بهدوء، ومش بتتعصب.
ضحك وقال
اسألي مريم عن رأيها فيكي، وبعدها هتعرفي إننا كلنا عندنا عيوب.
ضحكنا إحنا الاتنين، وحسيت إن التوتر اللي كان مالي قلبي بدأ يختفي.
ومن اليوم ده، بدأت علاقتنا بشكل مختلف.
مبقاش يوسف الدكتور اللي أنا مدينة له بالامتنان، ولا أنا المړيضة اللي محتاجة حد ينقذها.
بقينا اتنين بيتعرفوا على بعض.
كان بيحكي لي عن ضغط شغله، وعن المواقف الصعبة اللي بيشوفها، وعن إزاي ساعات بيحتاج يرجع البيت ويسكت شوية عشان يقدر يستوعب يومه.
وأنا كنت بحكيله عن شغلي، وعن أحلامي، وعن خۏفي من إني أفضل طول عمري بحاول أرضي الناس على حساب نفسي.
وفي مرة، حكيت له إني نفسي أتعلم أقول لأ من غير ما أحس بالذنب.
قال لي
ابدئي بالحاجات الصغيرة. مش لازم تبرري كل قرار بتاخديه.
وبالفعل، بدأت أطبق كلامه.
لما أمي سألتني إذا كنت موافقة على مقابلة عريس تاني من معارفها، قلت لها بهدوء
لأ يا ماما، أنا مش حابة أقابل حد دلوقتي.
أمي بصت لي باستغراب، لكنها المرة دي متمسكتش برأيها.
قالت
براحتك يا بنتي. المهم تكوني مرتاحة.
الجملة دي خلتني أبتسم.
يمكن أمي كانت بتحاول تساعدني بطريقتها، حتى لو طريقتها كانت بتضغط عليا.
ويمكن أنا كمان كنت محتاجة أتعلم أتكلم معاها بدل ما أحول كل خلاف لمعركة.
أما يوسف، فكان بيدعمني من غير ما يحاول يتحكم في قراراتي.
ولما بدأت نتائج علاج الأنيميا تتحسن، والطبيب أكد إن مخزون الحديد والهيموجلوبين بيتحسنوا مع العلاج والمتابعة، فرحت جدًا.
اتصلت بيوسف وقلت له
عندي خبر حلو!
رد
خير؟
التحاليل اتحسنت!
قال بفرحة واضحة
الحمد لله! كنت عارف إن اهتمامك بصحتك هيفرق، بس الأهم إنك تكملي المتابعة لحد ما الطبيب يطمنك تمامًا.
قلت له
أنا حاسة إني بقيت شخص تاني.
سألني
إزاي؟
قلت
زمان كنت لما أحس بتعب، أتجاهله. ولما أخاف من حاجة، أهرب منها. دلوقتي بقيت أحاول أفهم المشكلة وأتعامل معاها.
يوسف سكت لحظة، وبعدين قال
أنا فخور بيكي يا سلمى.
الكلمتين دول خلوني أسكت تمامًا.
لأني مكنتش متعودة إن حد يلاحظ التغيير اللي بحاول أعمله، أو يشجعني من غير ما يحسسني إني مقصرة.
مرت الشهور، وبدأ شعري يطول تدريجيًا.
في البداية، كنت محرجة من شكله، لكن مع الوقت بدأت أتعامل مع الموضوع ببساطة.
اشتريت إيشاربات بألوان مختلفة، وجربت تسريحات تناسب طوله، وبقيت أخرج من البيت من غير ما أفضل أبص في المراية عشر مرات.
وفي يوم، يوسف شافني من غير إيشارب، وشعري القصير بدأ يظهر بوضوح.
بص لي وقال
إنتِ شكلك مختلف.
قلبي اتقبض للحظة.
مختلف وحش؟
ابتسم.
مختلف عن أول مرة شفتك فيها.
ضحكت وقلت
أيوه، أصل أول مرة كنت عاملة نفسي مريضة سړطان!
يوسف ضحك وقال
دي كانت مقابلة مستحيل أنساها طول عمري.
وبعدين بص لي بحنان وقال
بس على فكرة، أنا مبسوط إنك بقيتي مرتاحة مع نفسك أكتر.
ساعتها فهمت إن اللي اتغير مكنش شعري بس.
أنا كمان اتغيرت.
بقيت أقل خوفًا من رأي الناس، وأكثر قدرة على التعبير عن احتياجاتي.
وبقيت أعرف إن الشخص اللي بيحبك مش لازم يحل لك كل مشاكلك، لكنه ممكن يساعدك تواجهيها بنفسك.
وفي يوم عيد ميلادي، يوسف فاجأني بهدية صغيرة.
كانت علبة أنيقة، جواها مشبك شعر رقيق جدًا، ومعاه ورقة مكتوب فيها
إلى سلمى، اللي حاولت تهرب من أول مقابلة، لكنها علمتني إن أجمل الحكايات ساعات بتبدأ من أغرب الصدف. كل سنة وإنتِ أقرب لنفسك، وأقرب لقلبي.
قرأت الرسالة مرتين، وبعدها رفعت عيني له.
كان واقف قدامي، مبتسم، لكنه واضح إنه متوتر.
قال
أنا عارف إننا لسه بنتعرف على بعض، ومش عايز أستعجل أي خطوة. لكن أنا بقيت متأكد إني عايز أكمل معاكي، وأبني معاكي حياة نكون فيها صريحين مع بعض، حتى لو الحقيقة ساعات تكون صعبة.
عيني اتمليت بالدموع.
قلت
يوسف، أنا كنت فاكرة إن الجواز معناه إني لازم أتنازل عن حاجات كتير عشان أرضي الشخص اللي معايا. لكن إنت خليتني أفهم إن العلاقة الصح هي اللي تخليني أكون نفسي من غير خوف.
ابتسم وقال
وده اللي أنا عايزه.
وبعد فترة من التعارف، اتكلمنا مع أهلنا، واتفقنا على الخطوات الرسمية، المرة دي من غير ضغط ولا تمثيل ولا محاولات هروب.
أمي كانت فرحانة جدًا، لكن كل ما تبص لي، تفتكر اللي حصل في أول مقابلة، وتقول
الحمد لله إنك مكنتيش قررتي تعملي نفسك مريضة قلب كمان!
وأبويا كان كل ما يوسف ييجي يزورنا، يقعد يحكي له عن اليوم اللي اتصلت فيه أمي بيه من المستشفى.
أما مريم، فكانت بتقول لي إن لازم نكتب القصة دي في كتاب بعنوان إزاي تحولي مقابلة عريس إلى زيارة لمستشفى الأورام في أقل من نص ساعة.
وفي يوم كتب كتابنا، يوسف مسك إيدي وقال لي بصوت واطي
فاكرة أول مرة اتقابلنا؟
ضحكت وقلت
للأسف، دي من الذكريات اللي مستحيل أنساها.
قال
أنا كمان. بس عارفة إيه أكتر حاجة بحبها في الحكاية دي؟
إيه؟
إنك في الأول كنتِ بتحاولي تخليني أرفضك، وبعدها بقيتي الشخص اللي نفسي أرجع له كل يوم.
حسيت بالدموع في عيني، وقلت له
وأنا كنت فاكرة إنك هتكون أسوأ إحراج في حياتي، وطلعت أجمل حاجة حصلت لي.
ابتسم وقرب مني وقال
بس عندي طلب واحد.
ضحكت.
إيه هو؟
قال بمنتهى الجدية
ممنوع أي خطط هروب بعد الجواز. لو زعلتي مني، نتكلم. ولو عايزة ترفضي حاجة، ارفضيها. ولو تعبتي، نروح للدكتور. لكن مفيش كڈب عن الأمراض تاني.
اڼفجرت في الضحك، وقلت
وعد. بس إنت كمان عندك طلب لازم توافق عليه.
إيه؟
لو في يوم اتخانقنا، ممنوع تستخدم التحاليل الطبية ضدي!
ضحك وقال
اتفقنا.
وبعد شهور، في أول صباح لينا في بيتنا، صحيت على صوت يوسف في المطبخ.
خرجت وأنا لسه نص نايمة، ولقيته بيحضر الفطار.
بص لي وقال
صباح الخير يا زوجتي العزيزة. الفطار جاهز، والنهارده مفيش حجج.
ضحكت وقلت
حاضر يا دكتور.
وبعدين قربت منه، وحضنته، وقلت
تعرف؟ أنا ساعات بفكر لو كنت روحت المقابلة الأولى بشعري الطبيعي، كان ممكن كل ده يحصل؟
يوسف فكر
لحظة، وبعدها قال
مش عارف. لكن أنا عارف إن اللي خلاني أحبك مش إنك كنتِ محتاجة مساعدة، ولا إنك كنتِ مريضة. أنا حبيتك لما بدأت أشوفك على حقيقتك، لما بقيتي صريحة معايا، ولما شفتك بتحاولي تتغيري للأحسن من غير ما تفقدي روحك المرحة.
سندت رأسي على كتفه وابتسمت.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إن العريس يكتشف كذبتي.
لكن الحقيقة إن الكذبة دي خلتني أواجه مخاۏفي، وأهتم بصحتي، وأتعلم أقول رأيي، وأقابل شخصًا شاف عيوبي من أول يوم، ومع ذلك اختار يتعرف عليا بدل ما يحكم عليا من غلطة واحدة.
أما الدرس اللي اتعلمته، فهو إن الحب الحقيقي مش إن حد ييجي ينقذك من كل حاجة، لكنه إنك تلاقي شخصًا يساعدك تبقي أقوى، ويشجعك تواجهي الحقيقة، ويفضل يحترمك حتى وإنتِ بتتعلمي من أخطائك.
والأهم من كل ده؟
إنك متحتاجيش تحلقي شعرك على الزيرو عشان تهربي من حاجة مش عايزاها!
لأن أحيانًا، بدل ما الهروب يبعدك عن الشخص المناسب، ممكن يكون هو السبب اللي يخليك تقابليه.
تمت بحمد الله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *