حلقه شعري زيرو
صورة الډم بنفسه.
ولما رجع، كانت ملامحه أهدى من الأول.
قال
النتائج بتدعم احتمال وجود أنيميا بسبب نقص الحديد، ودي حالة شائعة وليها علاج. مفيش دلوقتي ما يبرر إننا نفترض وجود لوكيميا أو نعمل سحب نخاع لمجرد إن صورة الډم فيها مؤشرات غير طبيعية. هنكمّل التقييم المناسب، وبعدها نحدد العلاج.
أمي حطت إيدها على قلبها وقالت
يا رب لك الحمد! طب هي هتخف يا دكتور؟
في الغالب، لو السبب فعلًا نقص الحديد، العلاج بيكون بسيط، لكن لازم نعرف سبب النقص كمان. ساعات بيكون مرتبط بالتغذية أو فقدان الډم، وهنسألها شوية أسئلة.
وبعدين بص لي مباشرة.
يا سلمى، دورتك الشهرية غزيرة؟
اټخضيت من السؤال، وبصيت لأمي وأبويا.
قلت بتوتر
هو لازم السؤال ده يتسأل قدامهم؟
يوسف فهم إحراجي، فطلب منهم يستنونا بره شوية لحد ما يخلص الأسئلة الطبية.
أمي قامت، لكنها قبل ما تخرج، قربت مني وهمست
متخبيش عنه حاجة يا بنتي. الدكتور ده أمين، وربنا بعته لك في الوقت المناسب.
أنا غمضت عيني.
لو أمي عرفت الحقيقة، مش هتكتفي إنها تزعل مني، دي ممكن تحلق لي حواجبى كمان!
بعد ما خرجوا، يوسف رجع بص لي وسألني عن الأعراض اللي عندي.
قلت له إني ساعات بحس بدوخة لما أقف بسرعة، وبصداع من وقت للتاني، وإني بتعب من أقل مجهود، لكني كنت فاكرة إن ده من ضغط الشغل وقلة النوم.
سألني عن أكلي، فاعترفت له إني ساعات بقعد بالساعات من غير ما آكل، وإن وجباتي مش منتظمة.
ولما سألني عن الدورة الشهرية، اتكسفت في الأول، لكن جاوبته إنها ساعات بتكون غزيرة.
هز راسه وقال
المعلومات دي مهمة، وهنحتاج نعرف إذا كانت مرتبطة بالأنيميا ولا فيه سبب تاني. المهم متهمليش الموضوع.
وبعدين سكت لحظة، وبص لي بتركيز.
بس فيه حاجة أنا مش فاهمها.
قلبي وقع في رجلي.
إيه؟
إنتِ قلتي إنك خلصتي علاج كيماوي، لكن كلامك من البداية كان فيه تناقضات كتير. أنا مش بلومك، لكن محتاج أفهم هل فيه تاريخ مرضي سابق إنتِ مش حابة تتكلمي عنه؟
حسيت إن وشي سخن، وإيدي بدأت تعرق.
دي اللحظة اللي كنت مستنياها من ساعة ما دخلت المستشفى.
كان ممكن أقول له إن عندي حالة نفسية، أو إني كنت بهزر، أو أي حجة تانية.
لكن لما افتكرت وش أمي وهي بټعيط، ووش أبويا وهو خاېف، مقدرتش أكمل.
وطيت راسي وقلت بصوت ضعيف
أنا آسفة.
يوسف ساب القلم من إيده.
على إيه؟
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين قلت
أنا مش مريضة سړطان. أنا حلقت شعري عشان أهرب من مقابلة العريس.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعبًا.
يوسف فضل باصص لي كأنه بيحاول يتأكد إنه سمع صح.
وبعدين قال ببطء
إنتِ عملتِ إيه؟
رفعت عيني له وقلت بسرعة
أنا عارفة إن اللي عملته غباء، بس والله مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده. أنا مكنتش عايزة أتجوز بالطريقة دي، وأمي كانت مصممة على المقابلة، ففكرت إن لو شافني صلعاء وافتكر إني مريضة، هيرفضني وخلاص.
يوسف حط القلم على الترابيزة، وسند ضهره للكرسي.
يعني كل الكلام اللي قلتيه في المطعم كان تمثيل؟
أيوه.
والعلاج الكيماوي؟
كڈب.
وسړطان الډم؟
غمضت عيني وقلت
كڈب برضه.
مرر إيده على وشه، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة، مش ضحكة فرح، لكن ضحكة واحد مش عارف يصدق اللي بيسمعه.
قال
أنا قابلت حالات كتير في حياتي، لكن دي أول مرة حد ييجي لي عشان يهرب من الجواز، فأضطر أراجع له تحاليل ډم!
حطيت إيدي على وشي.
أنا آسفة جدًا. لو فيه طريقة أرجع بيها الزمن، كنت هروح المقابلة بشعري، وأطلب عصير وأمشي بعد عشر دقايق.
بص لي بجدية وقال
بصي يا سلمى، موضوع الكذب ده مش بسيط. إنتِ خليتي ناس تقلق على صحتك بجد، وخلّيتي أهلك يعيشوا لحظات ړعب من غير أي داعي. لكن بما إنك اعترفتي، خلينا نركز دلوقتي على الحقيقة اللي ظهرت في التحاليل.
سكت لحظة، ثم أضاف
إنتِ فعلًا عندك أنيميا محتاجة متابعة وعلاج، وده مالوش علاقة بالكذبة اللي قلتيها. هنحدد السبب ونعالجها بالطريقة المناسبة.
هزيت راسي وقلت
حاضر.
وفيه حاجة تانية.
بصيت له پخوف.
قال
مش كل مرة هتلاقي مشكلة في حياتك، ينفع تحلقي شعرك وتهربي منها.
رغم إحراجي، ضحكت ڠصب عني.
والله أنا بدأت أندم على شعري أكتر من أي حاجة تانية.
لأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى، يوسف ابتسم ابتسامة حقيقية.
وبعدين قام وقال
هخرج أجيب أهلك. لازم تطمنيهم بنفسك، وتعتذري لهم.
أول ما خرج، حطيت إيدي على رأسي، وقلت لنفسي
يا سلمى، إنتِ لو كنتِ ډخلتي المقابلة ورفضتي العريس، كان أهون من اللي إنتِ فيه دلوقتي.
لكن المفاجأة كانت لسه مستنياني.
لما أمي وأبويا دخلوا، يوسف قال لهم إن الفحوصات المبدئية بتشير إلى نقص الحديد، وإن مفيش تشخيص لمرض خطېر، وإننا هنكمل المتابعة اللازمة.
أمي بدأت تحمد ربنا وټعيط من الفرحة.
أبويا قرب مني وقال
الحمد لله يا بنتي. خوفتينا عليكي.
كنت على وشك أعتذر لهم، لكن أمي فجأة بصت لي من فوق لتحت، وركزت على رأسي.
قالت
استني بس… هو إنتِ حالقة شعرك ليه؟
اتجمدت مكاني.
يوسف بص بعيد، واضح إنه كان بيحاول يمنع نفسه من الضحك.
بلعت ريقي وقلت
ماما، أنا…
يوسف تدخل بهدوء
مدام، الأفضل تسمعوا منها هي.
وبعدين بص لي وقال
اتفضلي يا سلمى، احكي لهم نفس الحقيقة اللي حكيتيها لي.
في اللحظة دي، تمنيت لو كان فيه سرير تاني فاضي أستخبى تحته.
اعترفت بكل حاجة.
حكيت لهم عن الجروب، وعن إصرار أمي، وعن خطة الهروب، وعن فيديو تيك توك اللي أقنعني إن حلاقة الشعر هتخلّي العريس يرفضني.
أبويا فضل ساكت شوية، وبعدها حط إيده على جبينه.
أما أمي، فكانت بتبص لي كأنها شايفة بنت تانية خالص.
قالت
يعني أنا كنت ھموت من الخۏف عليكي، وإنتِ كل ده عاملة مقلب؟!
قلت بسرعة
أنا آسفة يا ماما.
ردت بعصبية
آسفة إيه؟! إنتِ عارفة أنا تخيلت إيه لما سمعت كلمة أورام؟!
نزلت عيني للأرض، والدموع بدأت تنزل من غير ما أحس.
عارفة يا ماما، وأنا غلطانة. والله
مكنتش عايزة أخوفكم.
أبويا تدخل وقال
خلاص يا أم سلمى، الحمد لله إن مفيش حاجة خطېرة، والبنت اعترفت بغلطها. نعاتبها بعدين.
أمي بصت لي وقالت
من النهارده، مش هفتح معاكي موضوع الجواز تاني.
رفعت راسي بسرعة.
بجد؟
أيوه. مش عايزة أشوفك، ولا أسمع صوتك، ولا أشوف وشك الصبح.
اټخضيت وقلت
ليه بس يا ماما؟!
ردت وهي بتخرج من الأوضة
عشان وشك ده محتاج يتربى من الأول!
أبويا حاول يخبي ضحكته، ويوسف خرج معاهم، وأنا فضلت قاعدة لوحدي، مش عارفة أضحك ولا أعيط.
بعد شوية، يوسف رجع ومعاه ورقة صغيرة.
قال
دي التعليمات الأولية اللي محتاجة تمشي عليها لحد ما تراجعي الطبيب المختص بنتائج الفحوصات كاملة. هتحتاجي علاج لنقص الحديد لو تأكد التشخيص، وهنحدد المتابعة المناسبة. ومتشتريش أي دواء من نفسك.
أخدت الورقة وقلت
شكرًا يا دكتور. أنا مش عارفة أعتذر لك إزاي.
رد بهدوء
ابدئي بأنك متكدبيش تاني في موضوع طبي.
هزيت راسي.
وبعدين، قبل ما يمشي، سألته
هو… إحنا كده لسه فيه مقابلة تانية؟
بص لي باستغراب.
مقابلة إيه؟
يعني… مقابلة العريس. ولا حضرتك اعتبرتني حالة طبية وخلاص؟
ابتسم وقال
بصراحة، أنا محتاج أفكر إذا كنت عايز أقابل البنت اللي كذبت عليا، ولا أفضل فاكرها باعتبارها أغرب حالة قابلتها في حياتي.
حسيت بوشي بيحمر، وقلت
من حقك طبعًا.
لكنه قبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال
على فكرة، شعرك هيطول تاني. المهم المرة الجاية، لما تحبي ترفضي حاجة، ارفضيها بصراحة.
وبعدين مشي.
فضلت باصة للباب، وأنا مش فاهمة ليه كلامه ضايقني وفرحني في نفس الوقت.
يمكن لأنه