بنت عندها ثمان سنين

البنت بتصحى من النوم وهي خاېفة.
أحيانًا كانت تنادي على أمها أكثر من مرة، لمجرد إنها تتأكد إنها موجودة جنبها.
وأحيانًا كانت تسألها إذا كان ممكن حد يدخل البيت ويأذيهم تاني.
الأم كانت تضمها وتقول
إحنا هنا مع بعض يا حبيبتي، وهنطلب المساعدة من الناس اللي نثق فيهم لو احتجنا.
ومع الوقت، بدأت البنت تستعيد جزءًا من إحساسها بالأمان.
رجعت ترسم، وتتكلم عن المدرسة، وتحكي عن الحاجات الصغيرة اللي بتحبها.
لكن التجربة فضلت جزءًا من ذاكرتها، وتجربة بالشكل ده كانت محتاجة دعمًا نفسيًا مناسبًا، بجانب الرعاية الطبية.
أما آدم، ففضل فاكر المكالمة اللي بدأت كل شيء.
في يوم من الأيام، وهو بيتكلم مع زملائه عن أصعب المواقف اللي مرّوا بيها في شغلهم، جاب سيرة القضية.
قال لهم
أنا شوفت جرائم كتير، وشوفت ناس تعمل حاجات صعب تتصدق. لكن اللي مش قادر أنساه هو صوت البنت وهي بتقول لي إنها خاېفة، وبعدها تسألني إذا كان بابا هيزعل منها.
سكت لحظة، وبعدين كمل
الطفلة دي كانت فاكرة إنها بتعمل مشكلة لما طلبت المساعدة. كانت خاېفة تتعاقب عشان قالت إنها تعبانة. وده لوحده يخلّيك تفكر قد إيه الأطفال محتاجين يعرفوا إن صوتهم مهم، وإن من حقهم يطلبوا النجدة لما يحسوا إنهم في خطړ.
كانت دي أهم حاجة خرج بيها من القضية.
إن الطفل مش مطلوب منه يفهم دوافع الكبار، ولا يكتشف أسرارهم، ولا يواجه خطرًا أكبر من قدرته.
كل اللي مطلوب منه إنه يعرف إن من حقه يكون آمنًا، وإن طلب المساعدة مش خېانة لأي حد.
وبالنسبة للأم، كانت بداية حياة جديدة تمامًا.
حياة لازم تبني فيها الأمان من جديد، وتحمي بنتها من آثار التجربة، وتفهم إن الثقة مش معناها تجاهل الخطړ، وإن الحب الحقيقي ما ينفعش يكون سببًا في الأڈى.
أما البنت، فكانت بطلة الحكاية من غير ما تقصد.
ما كانش معاها دليل، ولا كانت فاهمة معنى التحقيقات، ولا عرفت إن مكالمة قصيرة ممكن تكشف خطة معقدة.
كان معاها تليفون، وصوت ضعيف، وشجاعة أكبر من سنها.
وفي اللحظة اللي كانت فيها خاېفة ومش قادرة تمشي، اختارت إنها تتكلم بدل ما تفضل ساكتة.
وده كان الفارق بين نهاية مأساوية، وفرصة حقيقية ليها ولمامتها إنهم ينجوا ويبدأوا من جديد.
وفي النهاية، الحقيقة اللي كشفتها القضية كانت موجعة مش كل خطړ بييجي من شخص غريب، ومش كل شخص المفروض يحميك بيكون فعلًا أهل للثقة.
لكن فيه حقيقة تانية أهم
حتى لو كنت صغير، وحتى لو كنت خاېف، وحتى لو الشخص اللي بيأذيك هو أقرب الناس ليك، فده مش معناه إنك لازم تسكت.
طلب المساعدة مش عيب، ومش ذنب، ومش خېانة.
أحيانًا، مكالمة واحدة، بصوت طفل بيرتعش من الخۏف، بتكون كفاية عشان تنقذ حياة إنسان، وتكشف حقيقة كان ممكن تفضل مستخبية لولا شجاعة اللحظة دي.
والسؤال اللي هيفضل مع كل شخص قرأ الحكاية إزاي طفلة عندها تمان سنين قدرت تطلب النجدة رغم خۏفها، بينما الشخص اللي كان المفروض يكون مصدر أمانها هو اللي انتهى بيه الأمر متهمًا بتعريض حياتها وحياة أمها للخطړ؟
يمكن مفيش إجابة سهلة عن السؤال ده.
لكن فيه درس ما ينفعش ننساه أبدًا الأطفال يستحقوا الأمان، وصوتهم لازم يتسمع، وأي علامة خطړ لازم تتاخد بجدية قبل ما يكون الوقت فات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *