ملیونیر من القاهره
شايفة إنك محتاج تتدرب أكتر.
ضحكت وقلت
أنا كمان شايف كده.
ردّت بمنتهى الثقة
مفيش مشكلة. ماما بتقول إن كل الناس بتبدأ من الصفر.
مريم كانت واقفة عند باب المطبخ، بتتفرج علينا وهي مبتسمة.
بالتدريج، بدأنا نثق في بعض من جديد.
مكنّاش بنتصرف كأن الانفصال اللي حصل بينا عمره ما كان موجود.
اتكلمنا بصراحة عن اللي حصل، وعن إزاي انشغالي المړضي بالشغل دمّر علاقتنا قبل حتى ما أي حد يتدخل في الرسايل.
اعتذرت من غير ما أختلق أعذار.
ومريم اعترفت إنها قضت سنين بتحاول متفكرش فيّا، لأن ذكريات الأيام الحلوة بينا كانت بتوجعها أكتر ما بتفرحها.
اتعلمنا نتكلم مع بعض بطريقة مختلفة، ونسمع بعض بجد.
وطول الوقت، كانت جنى بتفكرنا إن السعادة ساعات بتكون في أبسط الحاجات.
البيت اللي بابه أزرق
في الربيع اللي بعده، أخدت أنا ومريم جنى علشان نشوف بيت صغير في أطراف بوسطن.
كان فيه شرفة واسعة قدام البيت، ومطبخ بيدخله نور الشمس، وجنينة ورا تكفي نحط فيها أرجوحة للأطفال.
لكن أكتر حاجة لفتت نظر جنى كانت باب البيت الأزرق.
أول ما شافته، شهقت من الفرحة.
ماما! ده شبه البيت اللي رسمته!
جريت ناحية المدخل، وهي حضنة الكابتن زغلول تحت دراعها.
مريم بصّت لي باستغراب.
إنت لسه فاكر رسمة جنى؟
هزّيت راسي.
طبعًا. هي ورّتهالي في الطيارة.
الحقيقة إني كنت محتفظ بصورة الرسمة على موبايلي من يومها.
كنا بدأنا نتكلم عن إمكانية إننا نعيش مع بعض، لكن مكنش حد فينا عايز يستعجل الأمور.
البيت كان بيمثل مستقبل ممكن نختاره لما نكون جاهزين، مش وعد إن كل المشاكل هتختفي فجأة.
بعد الضهر، وجنى كانت بتلعب في الجنينة مع خالتها، طلبت من مريم تقعد جنبي على الشرفة.
قلت لها
زمان كنت فاكر إن النجاح معناه إني أبني حاجة كبيرة لدرجة إن محدش يقدر ياخدها مني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وسألتني
ودلوقتي؟
بصّيت لها وقلت
دلوقتي شايف إن النجاح الحقيقي هو إن يكون عندك ناس بتحبهم، وتخليهم دايمًا متأكدين إنهم مهمين عندك، وإنك مش هتسيبهم يتساءلوا عن مكانتهم في حياتك.
طلّعت علبة صغيرة من جيبي.
أول ما مريم شافتها، عينيها وسعت.
همست
يوسف
قلت لها
أنا مش بطلب منك تنسي اللي فات. أنا بطلب منك ندي نفسنا فرصة نبني مستقبل مختلف، ونتعلم من أخطائنا.
فتحت العلبة، وكان جواها خاتم.
بصّيت في عينيها وسألتها
مريم عبد الرحمن، تقبلي تتجوزيني؟
حطّت إيديها على وشها، وفضلت ساكتة للحظات.
خفت أكون استعجلت، أو إن الچرح القديم لسه محتاج وقت أطول علشان يخف.
لكن فجأة، ضحكت وسط دموعها وقالت
أيوه، موافقة. بس لسه مسؤوليتك تتعلم تعمل فطير حلو.
ضحكت وقلت
شرط عادل جدًا.
قربت مني وباستني.
وفجأة، سمعنا صوت جنى من الجنينة وهي بتصرخ بفرحة
يعني هنعيش كلنا في البيت الأزرق؟
مريم ضحكت وردّت عليها
هنشوف يا حبيبتي، وهنقرر سوا.
الرحلة اللي رجّعتني لبيتي الحقيقي
اتجوزنا بعد ست شهور، في حفل صغير في جنينة، وسط أهلنا وأقرب أصحابنا.
جنى كانت لابسة فستان أزرق فاتح، وشايلة الكابتن زغلول في سلة صغيرة مزينة بشرائط بيضا.
ولما جه وقت تبادل الدبل، قربت مننا فجأة وقالت بصوت عالي
ماتنسوش إني أنا كمان جزء من العيلة دي!
كل اللي كانوا موجودين ضحكوا.
نزلت على ركبتي قدامها، وقلت لها
إحنا عمرنا ما هننساكي يا حبيبتي.
مريم حطت إيدها على كتف جنى، ووقفنا إحنا التلاتة جنب بعض.
حياتنا مكنتش مثالية.
كان لسه فيه أيام شغل طويلة، وخلافات، ولحظات بنفتكر فيها السنين اللي ضاعت مننا، ونتوجع عليها.
لكننا مبقيناش بنتعامل مع الحب على إنه حاجة تقدر تفضل عايشة لوحدها من غير اهتمام.
اتعلمنا إن الوجود الحقيقي أهم من الوعود الكبيرة.
ولحد النهارده، ساعات بفتكر الرحلة اللي سافرتها من القاهرة للإسكندرية.
بفتكر طفلة صغيرة كانت بتحاول ترفع شنطتها، وعينيها الرمادي المائل للفضي، والأرنب