ملیونیر من القاهره

آخر خناقة كبيرة بينا حصلت في الليلة اللي سبقت سفري في رحلة شغل مدتها تلات أسابيع.
بصّت لي وقالت بحزن
أنا مش محتاجة بيت أكبر يا يوسف. أنا محتاجة واحد يرجع البيت فعلًا، ويكون موجود معايا.
كنت مرهق ومتوتر، وردّيت عليها بعصبية
كل اللي بعمله ده علشان أبني مستقبلنا!
بصّت لي بعينين مليانين ۏجع وقالت
بس إنت بتضيّع حاضرنا وإنت بتحاول تبني مستقبلنا.
قلت كلام كتير ندمت عليه بعدها بدقايق، لكن وقتها كنت عنيد ومش مستعد أعترف إني غلطان.
مريم خرجت من شقتي الليلة دي.
ولما رجعت من السفر، اكتشفت إن كل حاجتها اختفت.
حاولت أتصل بيها، لكن رقمها كان اتغيّر.
بعت لها رسائل على الإيميل اللي أعرفه، لكن مفيش أي رد وصلني.
ومع مرور الوقت، أقنعت نفسي إنها قررت تنهي علاقتنا نهائي، وإن الأفضل إني أحترم قرارها وأكمّل حياتي.
مكنتش أتخيل إنها يمكن تكون هي كمان حاولت توصل لي، وإن فيه سر كبير اتخبّى عني طول السنين دي.
سؤال طفلة كشف اللي كان مستخبي
رجعت لقيت جنى بتبص لي باهتمام.
سألتني
يا أستاذ يوسف، إنت زعلان؟
بلعت ريقي وقلت
كنت بفتكر حد أعرفه من زمان.
هزّت راسها كأنها فاهمة كل حاجة، وقالت
ماما كمان بتزعل ساعات لما تفتكر
إنها لوحدها.
لفّيت وشي ناحيتها.
بجد؟
قالت
أيوه. ساعات بتطلع صورة

من الدرج، فيها راجل واقف جنبها عند بحيرة كبيرة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أنا ومريم كنا اتصورنا جنب بحيرة قارون في الصيف التاني لينا مع بعض، وكانت الصورة دي من الصور اللي بتحبها جدًا.
حاولت أتماسك وسألتها
ومامتك بتقول إيه عن الراجل ده؟
حضنت جنى أرنبها وقالت
بتقول إنه كان حد بتحبه أوي. بس ساعات الكبار بيغلطوا، وبعد كده مبيعرفوش يصلّحوا الغلط اللي عملوه.
حسيت إن الكلام بيوجعني أكتر من أي لوم ممكن أسمعه.
بصّيت ناحية المقاعد اللي ورايا، وأنا متأكد تقريبًا إن مريم موجودة في الطيارة دي.
والبنت اللي قاعدة جنبي، بعينيها وضحكتها وسنها، كانت بتفتح قدامي خمس سنين كاملة من الأسئلة اللي مكنتش لاقي لها إجابة.
سألتها بهدوء
ممكن أسألك سؤال كمان يا جنى؟
قالت
اتفضل.
عيد ميلادك إمتى؟
ابتسمت وقالت
تمنتاشر فبراير. وماما بتعمل لي كب كيك بالفراولة كل سنة.
افتكرت فورًا التوقيت اللي مريم اختفت فيه من حياتي.
التواريخ كانت متوافقة.
مسكت مسند الكرسي بقوة، وحاولت أسيطر على نفسي.
قلت لها
أكيد بيكون طعمه حلو أوي.
ابتسمت جنى ومدّت لي الأرنب اللعبة.
ممكن تمسك الكابتن زغلول لو حبيت. هو بيساعد الناس لما يكونوا قلقانين.
أخدت الأرنب منها.
ولأول مرة من سنين طويلة، لقيت نفسي عاجز تمامًا عن الكلام.
اللقاء اللي حصل على ارتفاع آلاف الأمتار
بعد حوالي ساعة من إقلاع الطيارة، ظهرت ست في الممر، وبدأت تقرّب من مقاعدنا.
قالت بصوت حنون
جنى يا حبيبتي، إنتِ كويسة؟
عرفت الصوت قبل ما أرفع عيني وأبص لصاحبته.
كانت مريم واقفة جنب صفنا، لابسة كارديجان بلون كريمي وبنطلون جينز غامق.
شعرها كان أقصر من آخر مرة شوفتها فيها، وحوالي عينيها ظهرت خطوط خفيفة من التعب.
لكن رغم مرور خمس سنين، كانت لسه هي نفس الست اللي حبيتها.
أول ما عينيها وقعت عليّا، وقفت مكانها.
وشها فقد لونه، وبصّت لي كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
همست
يوسف؟
قمت من مكاني ببطء.
مريم.
جنى بصّت بيني وبين أمها باستغراب.
ماما، إنتِ تعرفي أستاذ يوسف؟
محدش فينا عرف يرد في اللحظة دي.
مريم مدّت إيدها لبنتها وقالت بتوتر
حبيبتي، تعالي اقعدي معايا شوية.
جنى عبست وقالت
بس أنا مبسوطة هنا. هو ساعدني في الشنطة، وكمان ماسك الكابتن زغلول.
مريم بصّت للأرنب اللي في إيدي، وبعدها رفعت عينيها ليا.
حاولت أتكلم بصوت واطي علشان جنى متتوترش.
هي بنتك يا مريم؟
هزّت راسها.
أيوه.
السؤال اللي بعده خرج من شفايفي بصعوبة شديدة
وهي بنتي أنا كمان؟
عينيها اتمَلوا بالدموع.
بصّت لجنى، وبعدها رجعت بصّت لي.
وقالت بصوت مكسور
يوسف، أرجوك مش هنا.
فهمت قصدها.
مهما كانت الحقيقة، ومهما كان اللي حصل بينا، مكنش ينفع نفتح الكلام ده قدام طفلة صغيرة.
رجّعت الأرنب لجنى وقلت لها بهدوء
أنا ومامتك كنا نعرف بعض من زمان يا حبيبتي، وعندنا كلام كتير نحكيه لبعض.
ابتسمت جنى وقالت ببراءة
كويس. ماما بتقول إن الأصحاب القدام مهمين.
مريم غمّضت عينيها للحظة، كأن الجملة وجعتها.
وبعدين طلبت مني بهدوء إننا نتكلم بعد ما نوصل.
وافقت.
لكن الساعة اللي فضلت في الرحلة دي، كانت أطول من أي رحلة سافرتها في حياتي.
خمس سنين من الرسايل اللي محدش شافها
أول ما وصلنا مطار القاهرة، أنا ومريم دورنا على مكان هادي بعيد عن الزحمة، قريب من منطقة استلام الشنط.
جنى كانت قاعدة على بُعد خطوات مننا، بترسم في كشكول صغير، وحاطة الكابتن زغلول جنبها.
مريم شبكت صوابع إيديها ببعض بقوة، وقالت
أنا عرفت إني حامل بعد سفرك لدنفر بست أسابيع.
بصّيت لها بذهول.
ليه مقولتيليش؟
ملامحها اتغيّرت، وكأن السؤال رجّع لها ۏجع قديم.
قالت
أنا حاولت يا يوسف.
شرحت لي إنها اتصلت بمكتبي مرات كتير، وسابت رسايل مع مساعدة المدير، وبعتت إيميلات على بريدي الشخصي وبريد الشركة.
وفي الآخر، وصل لها رد قصير بيقول إني مش عايز أي تواصل معاها تاني.
قالت وهي بتبص

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *