ملیونیر من القاهره
إنك إنتِ كمان كنتِ ضحېة للي حصل.
هزّت راسها.
بس مقدرتش أحميها من إنها تفضل تتساءل عنك.
مدّيت إيدي ناحية إيدها، لكن وقفت قبل ما ألمسها.
وقلت
أنا مش هقدر أرجّع لك السنين اللي ضاعت، وأنا عارف ده كويس. لكن لو سمحتي لي، أنا عايز أكون جزء من حياة جنى من دلوقتي.
فضلت تبص لي شوية، وبعدين قالت
الأبوة مش حاجة تقدر تحطها بين اجتماعين يا يوسف.
ردّيت من غير تردد
عارف.
جنى محتاجة حد يكون موجود باستمرار. محتاجة حد ييجي لها حتى لو عنده شغل، وحتى لو وجوده مش مريح لجدوله.
افتكرت كل أعياد الميلاد اللي فاتت من غير ما أكون معاها، وكل حكاية قبل النوم ملحقتش أحكيها لها، وكل صباح عادي كان ممكن أقضيه جنبها لكنه راح خلاص.
قلت لها
هتعلم إزاي أكون موجود. ومش هكتفي إني أوعدك بالكلام. هثبت لك ده بأفعالي.
أول مرة بنتي قالت لي يا بابا
اتفقنا إننا منضغطش على جنى، ولا نحاول نغيّر حياتها كلها في يوم وليلة.
مريم كانت عايزة الحقيقة توصل لها بهدوء، وتديها فرصة تفهمها بطريقتها وعلى قد سنها.
يوم السبت، أخدنا جنى لحديقة على النيل.
قضت حوالي عشرين دقيقة تجمع ورق شجر ملون، وبعدها أعلنت إن الكابتن زغلول لازم يعمل نزهة وياكل معانا.
قعدنا كلنا على بطانية تحت شجرة كبيرة.
مريم أخدت نفس طويل وقالت
جنى يا حبيبتي، فاكرة لما اتكلمنا عن بابا؟
هزّت راسها.
أيوه. إنتِ قلتي إنه ميعرفش إني موجودة.
ابتسمت مريم وسط دموعها.
صح يا حبيبتي. بس عرفنا حاجة مهمة. بابا مكانش يعرف، لأن فيه رسايل مكنتش بتوصله.
جنى بصّت لها باستغراب.
زي كارت العيد اللي تيتة بعتته ومُوصلش؟
ضحكت مريم بخفة.
أيوه، حاجة شبه كده.
وبعدين بصّت لي وقالت
يوسف ده يا حبيبتي هو بابا.
جنى فضلت باصة لي، وكأنها بتحاول تستوعب الكلام.
أنا مكنتش قادر أتنفس من التوتر.
همست
بجد؟
هزّيت راسي.
بجد يا جنى.
بصّت لمامتها علشان تتأكد إنها مش بتهزر.
وبعدين سألتني السؤال اللي عمري ما هنساه طول حياتي
يعني إنت كنت عايزني؟
قربت منها بهدوء، وخفت إن مشاعري القوية تخوّفها.
بصّيت في عينيها وقلت
يا جنى، لو كنت عرفت بوجودك، كنت هبقى عايز أشوفك من أول يوم. وأنا فرحان أوي إني عرفتك دلوقتي.
فضلت تفكر في كلامي شوية.
وبعدين سألتني
طب إنت بتحب كب كيك الفراولة؟
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
بعشقه.
ابتسمت وقالت
كويس، لأنك ضيّعت أربع أعياد ميلاد ليا، وماما بتقول إن أعياد الميلاد مهمة.
حسيت بوخزة في قلبي، لكن ابتسمت لها وقلت
عندك حق. إيه رأيك نعمل كب كيك سوا المرة الجاية؟
جنى ابتسمت، وبعدها طلعت على رجليّ، ولفّت دراعاتها الصغيرة حوالين رقبتي، وهمست
ماشي يا بابا.
حضنتها بحرص، وكأني خاېف اللحظة دي تطير مني.
ولأول مرة في حياتي، فهمت إن أهم لقب ممكن أحمله مش رئيس شركة، ولا رجل أعمال ناجح.
أهم لقب في الدنيا كلها كان بابا.
اتعلمت إزاي أكون موجود
الشهور اللي بعدها مكنتش حكاية خيالية كلها سعادة من غير أي مشاكل.
احتجنا لصبر، وكلام صريح في مواضيع كانت بتوجعنا، وتغييرات كان المفروض أعملها من سنين.
خلّيت زميل موثوق يشرف على جزء أكبر من شغل الشركة اليومي، واستأجرت شقة في بوسطن، وبدأت أقضي وقت منتظم مع جنى، وفق جدول اتفقت عليه أنا ومريم.
وكمان استعنا بمتخصص في الإرشاد الأسري علشان نساعد جنى تتأقلم مع التغيير الجديد براحة وأمان.
اتعلمت إن جنى مش بتحب أطراف العيش في السندوتشات، وإنها بتحب تتفرج على العصافير من شباك أوضتها، وإنها مصممة إن الكابتن زغلول يكون له مكان مخصوص على سفرة العشا.
واتعلمت كمان أضفر شعرها، رغم إن أول محاولاتي كانت كارثية.
في صباح من الصباحات، بصّت جنى للضفيرتين اللي عملتهم لها، وتنهدت وقالت
يا بابا، أنا