ابنها مات

صابرين بتاكل على ترابيزة صغيرة جنب أوضته. بقى عندها سرير بمرتبة طرية، ومياه دافية تستحمى بيها، وهدوم ناعمة مش بټجرح جلدها. ومع كل ده، كانت ليالي كتير بتنتهي بيها وهي نايمة على بطانية مفروشة على الأرض.
الراحة كانت بتحسسها بالذنب.
حسن ماټ وهو نايم على القش، فإزاي هي تقبل تعيش في كل الراحة دي؟
في ليلة من الليالي، دخل الباشا أدهم المنشاوي الأوضة علشان يطمن إن ياسين بيتنفس كويس، فلقى صابرين متكوّرة جنب سريره.
سألها
السرير مش مريحك؟
قامت بسرعة، وهي محرجة.
لأ، بس المرتبة طرية أوي.
بص أدهم للبطانية على الأرض، وبعدين للسرير اللي واضح إنها ما نامتش عليه.
وسألها
هو نومك على الأرض بيخليكي تشتاقي لابنك أقل؟
صابرين ضغطت على شفايفها، وحاولت تمنع دموعها.
بيخليني ما أنساش أنا جاية منين.
حط أدهم الشمعدان على الترابيزة، وقعد على الأرض على مسافة منها.
وقال بصوت هادي
أنا بخلي كل اللمبات في أوضتي منوّرة، علشان مش قادر أتحمل أشوفها فاضية.
رفعت صابرين عينيها وبصت له.
كمل كلامه
ومع كده، الأوضة لسه فاضية.
ما حاولش يسلب منها حزنها، ولا قال لها إنها لازم تكون ممتنة لكل اللي عندها. فضل قاعد معاها لحد ما ياسين صحي.
بعد الليلة دي، صابرين بدأت تحكيله عن كريم، عن ضحكته، وعن الأغاني اللي كان بيغنيها بكلمات غلط. وأدهم كان بيسمعها من غير ما يحاول يقارن ذكرياته بذكرياتها أو يقلل من ۏجعها.
وهو كمان بدأ يحكيلها عن فريدة، عن صبرها، وعن المشاوير اللي كانوا بيأجلوها، والأسئلة اللي ما بقاش عنده فرصة يسألها لها أبدًا.
وفي ليلة من الليالي، لقى صابرين ماشية بياسين في الأوضة، والتعب واضح عليها، والطفل متضايق بعد الرضاعة.
قال لها
اسمحي لي أشيله شوية.
صابرين اترددت. في القصر ده، الأسياد كانوا متعودين يطلبوا من الخدم يعملوا أي حاجة محتاجينها.
لكن أدهم مد إيديه وقال
ده ابني أنا كمان.
صابرين سلّمته ياسين، وبدأت تشرح له إزاي يسنده بطريقة مريحة. أدهم مشي بالطفل بين الشباك والباب، وهو بيتمتم بلحن أغنية مش فاكر نهايتها.
وفجأة، ياسين ساب بقعة لبن على الروب الأنيق بتاع أبوه.
صابرين ضحكت ضحكة طلعت منها من غير ما تقصد، لدرجة إنها نفسها اتفاجئت.
أدهم بص للبقعة اللي بوّظت هدومه وقال
على الأقل، فيه حد في البيت ده بيعرف يخرسني.
صابرين ضحكت تاني، لكن بعدها حطت إيدها على بقها، كأنها ارتكبت غلطة كبيرة.
وقالت
أنا آسفة.
استغرب أدهم.
آسفة على إيه؟
افتكرت صابرين حسن، ورجع لها الإحساس بالذنب من جديد.
أدهم ما أجبرهاش تشرح له اللي جواها. جاب لها بطانية، وكمل المشي بياسين لحد ما صابرين نامت على الكنبة من شدة التعب.
في يوم أحد، خديجة جارتها جت تزورها في مطبخ القصر. كانوا متفقين ياكلوا مع بعض، لكن واحدة من الخادمات قالت لخديجة إنها لازم تستنى بره.
أدهم سمع الكلام ده وهو معدّي في الطرقة.
فقال للخادمة
جهزوا مكان تاني على السفرة.
الخادمة بصت للحاجة زينب قبل ما تتحرك وتنفذ الأمر.
صابرين خرجت تدور على خديجة، فلقتها بدأت تبعد وهي شايلة سلة فيها عيش.
نادتها صابرين، ولحقتها، ومسكت دراعها.
خديجة بصتلها وقالت
مش معنى إنك بقيتي بتاخدي مرتب كويس إنك تغيّري أكلك أو تنسي الناس اللي كانوا معاكي وقت الشدة.
صابرين ابتسمت، ورجعت معاها للقصر.
وهم قاعدين على السفرة، خديجة اتكلمت عن حسن من غير ما توطي صوتها. افتكرت إزاي كان بيقبض على أي شريط قماش يقع في إيده، وإزاي كريم كان بينام وهو شايله على ركبته.
أدهم سمع كل الكلام. وصابرين قدرت ټعيط قدامهم، وبعدها تكمل أكلها. محدش طلب منها تنسى الماضي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *