ابنها مات

تقدري ترضعيه؟
ردت بهدوء
أقدر أحاول.
قال بسرعة
هدفع لك ضعف المبلغ اللي اتفقتوا عليه.
صابرين بصت في عينيه وقالت
ودّيني له الأول.
وصلها صوت عياط الطفل قبل ما تدخل الأوضة. للحظة، افتكرت إن ده صوت حسن، وحست إن رجليها مش شايلينها، فاضطرت تسند إيديها على باب الأوضة.
كان ياسين نايم في سرير صغير من خشب الزان، ومتلفف في ملايات مزينة بالدانتيل. كان صغير، بيتحرك بعصبية، وواضح عليه التعب الشديد.
شالته صابرين بحذر، وطلبت منهم يسيبوها شوية علشان تعرف ترضعه وهي قاعدة جنب المدفأة.
الحاجة زينب جريت وجابت حاجز خشبي يفصل المكان عن بقية الأوضة، وأدهم وقف في الناحية التانية، ساكت ومش بيتحرك.
وأول ما الطفل بدأ يرضع، عياطه سكت.
صابرين حست براحة في جسمها، لكن في نفس اللحظة، الحزن اللي كانت كاتماه اڼفجر جواها. دموعها نزلت على شعر الطفل الناعم وهي بتبص له بحنان موجوع.
همست له
بالراحة يا عصفوري، بالراحة.
بعد ما خلص، الدكتور فحص الطفل. ما قالش إن اللي حصل معجزة، ولا ادّعى إن الخطړ انتهى. وضّح إن الطفل لسه محتاج متابعة ورعاية علشان يستعيد قوته، لكن لأول مرة
من ساعات طويلة، ما بقاش شكله كأنه بيفقد حياته قدام عينيهم.
أدهم قعد على كرسي، وغطّى وشه بإيديه.
وصابرين سمعت نفسه وهو بيتقطع من العياط ورا الحاجز الخشبي.
ولما ياسين نام أخيرًا، أدهم رفع راسه، ورجع يتكلم بنبرة الراجل اللي متعود إن أوامره تتنفذ.
قال
هتفضلي هنا في القصر.
صابرين عدّلت الغطا حوالين الطفل وقالت
بس حاجتي لسه في أوضتي.
رد أدهم من غير ما يفكر
هبعت حد يسدد ديونك كلها.
قالت له
ولسه عندي حاجات لازم أرجع أجيبها.
بص لها باستغراب وقال
مش محتاجين نجيب الخِرَق القديمة بتاعة الحارة اللي كنتِ عايشة فيها.
الحاجة زينب نزلت عينيها في الأرض، لكن صابرين قامت بالراحة، وهي لسه شايلة ياسين بين إيديها.
وقالت
السکينة اللي جوزي نحت بيها سرير ابننا لسه هناك.
أدهم سكت.
كملت صابرين، وصوتها بدأ يرتعش
وخاتمي مرهون عند واحد علشان استلفت منه فلوس، وابني مدفون في التراب من غير ما يكون فيه حجر واحد على قپره يقول للناس إنه كان موجود في الدنيا.
رفعت عينيها وبصت للدوق مباشرة.
وقالت بحزم رغم ۏجعها
أنا هفضل أشتغل هنا، وهأرضع ابنك وأرعاه، لكن مش هسمح لك تمسح
ذكرياتي، ولا تقرر إيه اللي له قيمة في حياتي وإيه اللي مالوش قيمة.
أدهم بص لإيديها اللي محاوطين ابنه بحنان، وفجأة حس بالخجل من نفسه. فهم إنه كان بيحاول يتغلب على خوفه من خسارة ابنه عن طريق التحكم في حياة ست تانية، كأنها مجرد واحدة من ممتلكات القصر.
وطّى صوته وسألها
قولي لي إنتِ محتاجة إيه بالظبط؟
ردت صابرين
عايزة حد يرجّع لي السکينة والخاتم.
وسكتت لحظة قبل ما تضيف بصوت مكسور
وعايزة شاهد قبر لابني حسن.
أدهم لفّ ناحية الحاجة زينب وطلب منها تتولى تنفيذ كل اللي صابرين طلبته.
وبعدين بص لصابرين وقال
وكمان تقدري تخرجي من القصر في أي وقت تحتاجي فيه تروحي مشوار، من غير ما تستأذني حد.
صابرين رجعت قعدت وهي حاضنة ياسين، ولأول مرة من ساعة ما دخلت القصر، ما حستش إنها محپوسة جواه.
يمكن ابنها حسن مش هيرجع لها أبدًا، لكن على الأقل، في المكان ده، بدأت تحس إن ۏجعها مش معناه إنها فقدت حقها في الاختيار، وإنها لسه إنسانة ليها ذكرياتها وكرامتها وحياتها الخاصة.
في الأسابيع اللي بعدها، ياسين بدأ يسترد صحته وقوته. خدوده بقت مدوّرة، وبقى يدور على صابرين أول
ما يسمع خطواتها، ويمسك في هدومها بصوابعه الصغيرة.
كانت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *