رحت المستشفى استلم
وإن بعض الأسئلة بتحتاج وقتًا قبل ما يكون لها جواب واضح.
أما نادين، فكانت ملتزمة بمتابعة حملها، وبتحاول تحافظ على هدوء البيت قدر الإمكان.
في إحدى الليالي، لقت محمود قاعد في البلكونة، قدامه كوب قهوة بارد.
قعدت جنبه وسألته لسه بتفكر في التقرير؟
قال بفكر في حاجات كتير.
زي إيه؟
سكت لحظات، وبعدها قال كنت متخيل إن حياتي كلها واضحة. إني لو خططت كويس، وقدرت أسيطر على الظروف، كل حاجة هتمشي زي ما أنا عايز. لكن اكتشفت إن فيه حاجات ما ينفعش أتعامل معاها بنفس طريقة الشغل.
نادين بصت له. ده مش معناه إنك ضعيف.
أنا مش متعود أحس إني عاجز عن حل مشكلة.
يمكن المطلوب منك مش إنك تحل كل حاجة فورًا. يمكن المطلوب إنك تتعامل معاها بصدق، وتسمح لنفسك إنك تقلق من غير ما تحوّل قلقك لڠضب على اللي حواليك.
بصلها طويلًا.
وبعدين قال أنا محتاج أتعلم ده.
نادين ابتسمت. يبقى ابدأ من هنا.
مد إيده ومسك إيدها.
للمرة الأولى من فترة، ما حاولش يغيّر الموضوع، ولا يطلب منها تطمنه بوعد ما تقدرش تضمنه.
اكتفى بأنه قال شكرًا إنك واقفة جنبي.
بعد شهر، افتتحت ليلى مكتبها الجديد في شقة إدارية صغيرة في وسط البلد.
ما كانش مشروعًا ضخمًا، ولا شركة هتظهر في المجلات الاقتصادية.
كان مكتبًا استشاريًا صغيرًا لإدارة المشروعات وتنظيم العمليات الإدارية، وهو مجال كانت ليلى بتحبه واشتغلت فيه قبل جوازها.
اختارت المكان بنفسها، واتفقت مع مصممة على ديكور بسيط، واشترت مكتبًا خشبيًا واسعًا، وعلقت لوحة صغيرة على الحائط مكتوب عليها اسم المشروع.
في يوم الافتتاح، حضر عدد محدود من الأصدقاء وزملاء العمل السابقين.
كانت ليلى واقفة عند الباب، بتستقبلهم بابتسامة حقيقية.
إحدى صديقاتها، اسمها منى، قربت منها وقالت أنا فخورة بيكي.
ليلى ضحكت. على إيه؟ ده مكتب صغير لسه بيبدأ.
منى هزت رأسها. على إنك ما استنيتيش حد يديكي إذن علشان تبدأي حياتك.
ليلى سكتت لحظة، وبعدها بصت ناحية مكتبها الجديد.
افتكرت الأيام اللي كانت بتأجل فيها المشروع بحجة إن الوقت مش مناسب، أو إن عندها التزامات أهم، أو إن فتح مكتب جديد محتاج دراسة أكتر.
الحقيقة إنها كانت دايمًا بتقول لنفسها إنها هتبدأ لما تستقر.
لكنها اكتشفت إن الاستقرار مش دايمًا بييجي قبل البداية.
أحيانًا الإنسان بيبدأ، وبعدها يبني استقراره خطوة بخطوة.
في آخر اليوم، بعد ما الضيوف مشيوا، قعدت لوحدها قدام المكتب.
فتحت دفترًا جديدًا، وكتبت أول قائمة مهام.
ما كانش فيه اسم محمود في أي سطر.
وما كانش فيه أي خطة لإثبات إنها أفضل منه، أو إنها تقدر تعيش من غيره.
كانت ببساطة بتخطط لحياتها.
وده كان كفاية.
بعد فترة، وصل لمحمود خبر افتتاح مكتب ليلى عن طريق أحد معارفه في مجال الأعمال.
شاف صورة صغيرة ليها في منشور مهني، واقفة قدام لافتة المكتب، وبتبتسم للكاميرا.
فضل يبص للصورة وقتًا أطول مما توقع.
ما حسش بالڠضب.
ولا فكر إن نجاحها تحدٍ ليه.
حس بحاجة أقرب للندم، لكنه ما عرفش يحدد إذا كان ندمًا على الانفصال نفسه، أو على الطريقة اللي عاش بيها زواجهما.
في المساء، فتح هاتفه وكتب رسالة
شفت خبر افتتاح مكتبك. مبروك، وأتمنى لك النجاح.
فضل يبص للرسالة قبل ما يبعتها.
كان ممكن يضيف جملة عن الأيام القديمة، أو يسألها إذا كانت مرتاحة، أو يحاول يفتح بابًا للكلام.
لكنه في النهاية بعت التهنئة فقط.
ردت ليلى بعد ساعة
شكرًا يا محمود. أتمنى لك كل خير.
قرأ ردها، وحط الهاتف على المكتب.
ما كانش فيه باب اتفتح، ولا وعد بعودة، ولا دعوة للقاء.
كانت مجرد تهنئة ورد محترم.
ولأول مرة، تقبل محمود إن الاحترام مش لازم يكون بداية لشيء تاني.
أحيانًا بيكون الطريقة المناسبة لإنهاء شيء انتهى.
بعد عدة أسابيع، اجتمع محمود مع الدكتور سامح مرة أخرى لمراجعة نتائج الفحوصات الإضافية.
الدكتور شرح له التفاصيل، وأكد أن مشكلة الخصوبة ما زالت قائمة، وأن الخيارات الطبية تتوقف على التقييم الكامل والاستجابة للعلاج إن كان مناسبًا.
ما قالش له إن الأبوة مستحيلة، وما وعدوش إنها مضمونة.
شرح له الحقائق كما هي، وطلب منه أن يتخذ قراراته بعد فهم كل الخيارات.
محمود خرج من العيادة وهو أكثر هدوءًا من المرة الأولى.
ما زال قلقًا، لكنه لم يعد يحاول انتزاع إجابة نهائية من كل سؤال.
وفي الطريق، اتصل بنادين.
خلصت المتابعة.
طمني.
المشكلة موجودة، والدكتور شرحلي الخيارات. هنكمل حسب الخطة اللي حطها.
نادين سألته وإنت عامل إيه نفسيًا؟
ضحك ضحكة قصيرة. السؤال ده أصعب من كل أسئلة الدكتور.
طب جاوبني.
سكت لحظة، ثم قال أحسن من الأول. لسه خاېف، لكن مش هخلي خۏفي يتحول لحكم على نفسي أو على أي حد.
قالت نادين ده أهم شيء.
وبعدها اتفقا على موعد المتابعة القادمة.
ما كانش عندهم حل لكل الأسئلة، لكنهم بدأوا يتعاملوا معها بطريقة مختلفة.
أما إعلان زواج محمود ونادين، فاتعمل بعد استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بطلاق ليلى، وبعد ما قررا إنهم مش محتاجين يحولوا المناسبة لاستعراض أمام رجال الأعمال.
كان تجمعًا عائليًا بسيطًا في قاعة صغيرة داخل أحد الفنادق، حضره أفراد الأسرة وعدد من الأصدقاء المقربين.
وقف محمود جنب نادين، وأعلن أمام الحاضرين إنها زوجته بعقد رسمي، وإنهم بيستعدوا لاستقبال طفلهم.
بعض الناس اتفاجئوا، وبعضهم سأل أسئلة كثيرة، لكن محمود ما حاولش يدخل في تفاصيل زواجه السابق.
قال بوضوح أنا وليلى أنهينا زواجنا بالتراضي، وبعد تسوية حقوق كل طرف وفق الإجراءات القانونية. مش من حق حد يقلل منها، ولا من حق حد يتعامل مع نادين باعتبارها مسؤولة عن كل قرار أخدته أنا.
كانت الجملة مهمة، ليس لأنها محَت الماضي، بل لأنها حطت المسؤولية في مكانها الصحيح.
بعد الحفل، اقترب منه أحد أقاربه وقال كنت فاكر إنك هتعمل حفلة أكبر من كده.
محمود رد المهم إننا نبدأ حياتنا بهدوء، مش إن الناس تتكلم عن حجم الحفل.
القريب ضحك. إنت اتغيرت يا محمود.
محمود بص ناحية نادين، اللي كانت بتتكلم مع إحدى قريباتها.
وبعدها قال يمكن بدأت أفهم إن مش كل حاجة محتاجة تتعمل علشان الناس تشوفها.
مرت الشهور، وبدأت حياة كل واحد فيهم تاخد شكلًا مختلفًا.
مكتب ليلى كبر بالتدريج. حصلت على أول عقد كبير لإدارة مشروع إداري، وبعده عقد تاني، وبدأت تستعين بموظفين يساعدوها في تنظيم العمل.
ما كانش النجاح سهلًا. في بعض الأيام، كانت ترجع البيت مرهقة، وتكتشف إنها أخطأت في تقدير الوقت أو المصروفات، وتضطر تعيد حساباتها من البداية.
لكنها كانت بتتعلم، وكانت كل مشكلة بتحلها بتزود ثقتها في نفسها.
في يوم، وقفت قدام الشباك في مكتبها، وبصت للشارع المزدحم تحتها.
افتكرت أول مرة دخلت المكان وهو فاضي، والحوائط لسه من غير دهان، والمكتب لسه ما وصلش.
وقتها كانت خاېفة.
دلوقتي، ما زالت پتخاف أحيانًا، لكنها ما بقتش بتعتبر الخۏف دليلًا على إنها مش قادرة.
أما محمود، فاستمر في إدارة شركته، وبدأ يخصص وقتًا أكبر لحياته الشخصية وللمتابعة الطبية.
لم تتحول مشكلته الصحية إلى نهاية العالم، ولم تختفِ بمجرد أنه تقبلها. كانت جزءًا من واقعه يحتاج إلى متابعة، وربما علاج، وربما قرارات أخرى في المستقبل.
ونادين استمرت في متابعة حملها، وكان محمود يحضر معها المواعيد المهمة كلما سمح جدول عمله.
وفي إحدى المرات، بعد زيارة للطبيبة، رجعوا البيت ومعاهم قائمة بالتعليمات ومواعيد المتابعة القادمة.
نادين حطت الورق على الترابيزة وقالت محتاجين