ابني رجع من الرحله الشغل
معاها.
وقفت أبصلهم، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
الحمد لله، أمي بدأت ترجع لنفسها.
لكن رغم إن الحقيقة اتوضحت، كان لسه فيه موقف تاني مستنيني، موقف خلاني أفهم قد إيه ابني كان مستعد يضحّي عشان جدته.
بعد أسبوع، كنت بساعد أحمد يرتب حاجته في الشنطة، عشان كان بيجهز شوية أوراق تخص شغله.
وأنا بلمّ الملابس، لقيت ظرف أبيض بين الأوراق.
فتحته من غير قصد وأنا بحاول أعرف إذا كان من الأوراق اللي محتاجها.
كان خطاب رسمي من جهة عمله.
قريت أول سطر، وبعدها حسيت إن قلبي اتقبض.
الخطاب كان بخصوص فرصة ترقية مهمة، ومهمة عمل خارج مصر كان منتظرها من فترة طويلة.
لكن في آخر الخطاب، كان فيه تأكيد إنه طلب تأجيل المهمة، ووافق على إجازة عائلية ممتدة عشان يفضل جنب جدته.
فضلت واقفة وأنا باصة للورقة.
لما أحمد دخل الأوضة، رفعت الخطاب قدامه وسألته
إنت عملت إيه يا أحمد؟
بص للورقة، وبعدها قال بهدوء
دي حاجة تخص الشغل يا ماما.
قلت له والدموع بتملأ عيني
إنت تنازلت عن الترقية دي؟ مش دي الفرصة اللي كنت بتحلم بيها من سنين؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
هي فرصة مهمة، بس مش أهم من إن تيتة تكون كويسة.
حطيت الورقة على السرير، وبصيت له وأنا مش عارفة أتكلم.
إنت كنت ممكن تكلمني من الأول. كنت هقف جنبك.
قعد جنبي وقال
أنا عارف يا ماما. بس كنت فاكر إني لازم أتصرف بسرعة، وكنت خاېف إننا نضيع وقت وإحنا لسه مش عارفين سبب تعبها.
سكت شوية، وبعدها ابتسم وهو بيبص للأرض.
فاكرة لما كنت عندي خمس سنين، وتيتة جابت لي شنطة الدكتور اللعبة؟
ضحكت وسط دموعي.
أيوه، وكنت ماشي بيها في كل حتة، وبتكشف على كل اللي في البيت.
قال
في ليلة من الليالي، أنا تعبت جدًا، وإنتِ كنتِ في الشغل، وتيتة فضلت جنبي لحد الصبح. كانت بتطمن عليا كل شوية، وتحط إيدها على راسي، وتحكي لي حواديت عشان أنام.
صوته بدأ يتغير، وعينيه لمعت بالدموع.
وقتها قلت لها إني لما أكبر هبقى دكتور، عشان أقدر أعالجها وأخليها ما تخافش من المړض أبدًا.
ما قدرتش أتمالك نفسي.
حضنته وأنا بعيط، وقلت له
أنا آسفة يا ابني. أنا شكيت فيك، وافتكرت إنك بتأذيها.
أحمد حضڼي وقال
أنا فاهم خۏفك يا ماما. إنتِ شوفتي حاجة غريبة، وأمي كانت بتتعب، ومن حقك تدوري على الحقيقة. أنا بس كان لازم أتكلم معاكي بدل ما أسيبك تفكري لوحدك.
في اللحظة دي، أمي ظهرت عند باب الأوضة.
كانت ماسكة صورة قديمة، وابتسامتها هادية.
قربت مننا ومدت الصورة لأحمد.
كانت صورة ليه وهو عنده خمس سنين، لابس بالطو دكتور أبيض صغير، وواقف جنب جدته بفخر، وماسك السماعة البلاستيك اللي كانت جابتها له.
أحمد أخد الصورة، وبص لها طويلًا.
أمي لمست خده وقالت
فاكر وعدك ليا يا حبيبي؟
ابتسم وقال
فاكر يا تيتة. وعدتك إني هبقى دكتور وأعالجك لما تكبري.
هزت راسها بحنان وقالت
لأ يا حبيبي، إنت وعدتني إنك هتفضل جنبي، وإنك مش هتسيبني أواجه خۏفي لوحدي.
وبعدين حضنته بقوة.
وإنت وفيت بوعدك.
وقفنا التلاتة في الأوضة، بنعيط ونضحك في نفس الوقت.
أنا كنت قضيت أيام كاملة متخيلة إن ابني بيعمل حاجة مرعبة في حق جدته، بينما الحقيقة إنه رجع البيت لأنه كان خاېف يخسرها.
لكن ده ما غيّرش حقيقة مهمة إن الخۏف والسكوت ممكن يخلّوا أقرب الناس لبعض يشكوا في بعض، وإن النية الطيبة لوحدها مش كفاية من غير وضوح وصراحة.
بعد أسبوعين، أمي كانت اتحسنت بشكل ملحوظ، وبقت قادرة تقعد معانا وقت أطول، وتشاركنا تفاصيل يومها، وتضحك على المواقف الصغيرة اللي بتحصل في البيت.
وفي يوم، قررت تحضّر لنا الشاي بنفسها.
دخلت المطبخ، وجهزت