مين اللى بتغنى

قالت
في المكان اللي ماتت فيه جريس.
رجعوا كلهم للمكان.
كان بيت قديم على أطراف القاهرة.
نادر كان فاكر إن الحادثة حصلت عند البوابة.
لكن التسجيل القديم أظهر إن جريس دخلت البيت قبل موتها.
فتحوا الباب.
البيت كان مهجور.
وفي غرفة صغيرة…
لقوا جهاز تسجيل قديم.
وملف.
وصورة.
الصورة كانت لجريس وجنى.
توأم.
والدليل الأوضح…
إن جريس كانت لابسة نفس الفستان اللي ظهرت به في آخر صورة لها.
نادر فتح الملف.
جواه تقرير طبي.
التقرير بيقول إن جنى كانت مصابة باضطراب نوم، لكن حالتها مستقرة.
وتقرير تاني…
يثبت إن جريس كانت سليمة.
وتقرير ثالث…
مزوّر.
بيعلن وفاة جنى.
نادر قال
يعني كل السنين دي…
سامح قال
كنتوا عايشين بكذبة.
نادر بص له.
إنت شاركت.
سامح نزل عينه.
أيوه.
ليه؟
أبوك كان بيهددني.
وبعد موته؟
سامح قال
أمك كملت.
أم نادر بكت.
كنت خايفة.
نادر قال
الخوف مش مبرر.
سكت.
وبعدين سأل
إيه اللي حصل ليلة موت جريس؟
سامح بدأ يحكي.
جريس سمعت أبوك بيتكلم عن جنى.
وعرفت إنها عايشة.
جريس كانت عايزة تقولك.
فأبوك خدها للمخزن القديم.
نادر سأل
وأنا؟
إنت جيت.
نادر اتوتر.
وبعدين؟
أبوك شغّل التهويدة.
ليه؟
عشان كنت في حالة انهيار.
سامح كمل
إنت حاولت تاخد جريس.
وبعدين؟
حصل خناقة.
مين قتلها؟
سامح سكت.
نادر صرخ
مين؟!
سامح قال
محدش.
نادر بص له.
يعني إيه؟
جريس ماتت وهي بتحاول تهرب.
إزاي؟
وقعت من السلم.
نادر غمض عينه.
وأنا؟
إنت وقعت كمان.
واتصدمت في دماغك.
نادر لمس رأسه.
وعشان كده…
أبوك قال للدكاترة إنك فاقد أجزاء من الذاكرة.
وإنتوا زرعتوا الباقي.
ماريا قالت
التهويدة كانت جزء من الخطة.
سامح هز راسه.
كل ما كنت بتسمعها، كنت بتفتكر جريس بالشكل اللي هما عايزينه.
نادر سأل
طب ليلى؟
سامح بص لها.
كانت موجودة.
إنت عارف إنها جنى؟
أيوه.
مين رباها؟
ماريا قالت
أنا.
نادر بص لها.
ليه؟
لأن أمك طلبت مني.
وإنت وافقتي؟
في الأول كنت خايفة.
وبعدين؟
حبيتها.
ماريا دموعها نزلت.
مقدرتش أسيبها.
نادر بص لليلى.
البنت كانت ساكتة.
وبعدين قالت
أنا مش زعلانة منك.
نادر قرب منها.
ليه؟
عشان إنت مش اللي خبّيتني.
وبعدين سألت
إنت هتفتكر ماما جريس دلوقتي؟
نادر ابتسم وسط دموعه.
أيوه.
ليلى قالت
يبقى خلاص.
خلاص إيه؟
التهويدة خلصت.
في اللحظة دي…
سامح رفع عينه.
لسه.
الجميع بص له.
قال
في تسجيل أخير.
فين؟
سامح أشار لصندوق الموسيقى.
نادر فتحه.
كان جواه شريط صغير.
شغله.
الصوت كان لجريس.
طفلة.
واضح.
هادئ.
بابا…
نادر قفل عينه.
لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنا مش موجودة.
صوت جريس كان يرتعش.
بس أوعى تصدق إنك السبب.
نادر بدأ يبكي.
أنا عارفة إن جنى هتعيش.
صوتها كمل
ولو كبرت، خليها تعرف إن عندها بابا كان بيحبها.
وبعدين…
ضحكة طفلة.
ومتخليش حد يغني لك الأغنية دي تاني.
التسجيل انتهى.
الصمت كان كامل.
نادر مسح دموعه.
وبص لليلى.
اسمك جنى.
البنت ابتسمت.
بس ممكن أفضل ليلى؟
نادر ضحك لأول مرة من قلبه.
طبعًا.
ماريا ضمتها.
وفؤاد بدأ يتصل بالشرطة.
أما أم نادر…
فوقفت لوحدها.
نادر قرب منها.
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل.
أمه هزت راسها.
ولا أنا.
بس مش هستخدم حزني ضدك.
ولا أنا عايزاك تعمل كده.
نادر بص لها.
إنتِ هتتحاسبي.
أمه أغمضت عينيها.
عارفة.
بعد أسابيع…
اتكشفت ملفات قديمة.
ظهر التزوير.
ظهر سجل الأمن الحقيقي.
ظهر إن حادثة جريس كانت إهمالًا متعمدًا ومحاولة لإخفاء حقيقة وجود جنى.
سامح اعترف بكل شيء.
والأم اعترفت بدورها.
أما نادر…
فأغلق غرفة جريس.
لكن المرة دي مش عشان يهرب.
دخلها وحده.
شال صورة جريس.
وحط جنبها صورة ليلى.
وبدل صندوق الموسيقى…
حط وردة بيضاء.
في المساء، كانت ليلى قاعدة على السلم.
نادر نزل وقعد جنبها.
قال
بتغني؟
هزت راسها.
لأ.
ليه؟
عشان ماما قالتلي إننا مش محتاجين التهويدة.
نادر ابتسم.
عندها حق.
ليلى سندت راسها على كتفه.
بابا؟
نعم؟
إنت لسه زعلان؟
نادر سكت.
وبعدين قال
هفضل أفتكر.
ده وحش؟
لأ.
بص لها.
الفرق إن دلوقتي أنا اللي باختار أفتكر.
ليلى ابتسمت.
وفي اللحظة دي…
الساعة القديمة في الفيلا دقت ٢١٧.
نادر رفع عينه.
لثواني…
حس إنه هيسمع التهويدة.
لكن مفيش حاجة حصلت.
بس صوت المطر.
وصوت ليلى وهي بتضحك.
نادر بص للساعة.
وبعدين ابتسم.
لأول مرة من تلات سنين…
الساعة ٢١٧ ما كانتش بتخوفه.
كانت مجرد ساعة.
ومفتاح النحاس…
اللي كان في يوم رمزًا لسر كبير…
بقى معلقًا جنب صورة جريس.
مش عشان يفتح بابًا قديمًا.
لكن عشان يفكره إن بعض الأبواب، مهما اتقفلت سنين…
الحقيقة في الآخر بتلاقي لها مفتاح.
أما التهويدة…
فمحدش سمعها تاني.
لكن في ليلة شتوية بعد شهور، ليلى دخلت أوضة نادر وهي شايلة صندوق الموسيقى.
قالت
بابا.
نعم؟
لقيت حاجة.
نادر بص للصندوق.
إيه؟
فتحت الغطا.
جواه ورقة صغيرة.
مش قديمة.
الورقة كانت جديدة.
ومكتوب عليها بخط مختلف
أنا عارفة إنكم افتكرتوا.
نادر اتجمد.
بص لليلى.
إنتِ فتحتيه إمتى؟
دلوقتي.
نادر أخد الورقة.
قلبها.
مفيش اسم.
ولا عنوان.
ولا أي علامة.
بس في آخر السطر…
كان فيه حرفين
G H.
نادر رفع عينه.
ولأول مرة…
ابتسامته اختفت.
لأن جريس ماتت.
وده كان حقيقة.
لكن السؤال اللي بدأ يطارد نادر من جديد…
مين اللي كتب الورقة؟
وهل فعلًا التهويدة انتهت؟
ولا الشخص اللي كان بيتحكم في حزنه…
كان لسه بيراقبه من مكان قريب؟
نادر قفل الصندوق.
وبص ناحية الشباك.
خارج الفيلا…
كانت عربية سوداء واقفة في الضلمة.
ولما نورها اشتغل…
اختفت.
لكن قبل ما تختفي تمامًا، نادر لمح شخصًا جالسًا في المقعد الخلفي.
شخصًا يحمل…
مفتاحًا نحاسيًا آخر.
نادر ضم الورقة في إيده.
وبص لليلى.
قال بهدوء
المرة دي…
سكت.
مش هنسيب حد يتحكم في اللي بنفتكره.
وأطفأ النور.
لكن في مكان بعيد…
جهاز تسجيل قديم اشتغل وحده.
وخرج منه صوت طفلة صغيرة
ماتبطليش…
ثم سكت الصوت.
ولأول مرة…
جاءت الجملة التالية بصوت امرأة بالغة
لحد ما حد يفتكر.
وانتهت الحكاية…
لكن السر الأخير لم يكن في الماضي.
كان لسه بيبدأ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *