مين اللى بتغنى

مين اللي بيغني في الوقت ده؟ همس المليونير وبعدها مفتاح نحاس، وتهويدة مستخبية، وسجل أمن متزوّر كشفوا مين اللي كان بيتحكم في حزنه!
الساعة ٢١٧ الفجر، بنت صغيرة عندها خمس سنين كانت قاعدة على سلالم الفيلا، مغمضة عينيها وبتغني.
نادر هلال عرف اللحن قبل ما يفهم هو ليه حاسس إنه عارفه.
وقبل ما الليل يخلص وتطلع الشمس، كان هيكتشف إن في حد عايش أقرب له بكتير من أي شبح كان بيستغل حزنه وبيتحكم فيه.
مين اللي بيغني في الوقت ده؟
وقف نادر هلال في نص السلم الدائري، وإيده ماسكة سور السلم الحديد الساقع.
المطر كان بيخبط بخفة على الشبابيك العالية في فيلا الهضبة، وهوا أكتوبر كان بيزق ورق الشجر المبلول على التراس الحجري بره.
الفيلا كانت غرقانة في الضلمة بقالها ساعات.
حتى تلاجات المطبخ صوتها كان باين عالي بشكل غريب وسط السكون.
وفجأة
الأغنية رجعت تاني.
هادية
ضعيفة
صوت طفلة صغيرة.
نادر نزل تلات درجات، وشاف ليلى فيجا قاعدة متربعة على تالت درجة من تحت.
حافية.
لابسة بيجامة عليها دب بني.
وشعرها الكيرلي الأسود سايب حوالين وشها.
وعينيها مغمضة.
كانت بتتمايل سنة وهي بتغني لحن هادي لدرجة إن نادر اضطر يحبس نفسه عشان يسمعه كويس.
صدره اتقبض.
هو عارف اللحن ده.
مش مرة واحدة
ومش لدرجة إنه يقدر يقول اسمه.
لكن حاجة مكسورة جواه كانت فاكرة كل نغمة فيه كل طلعة وكل نزلة.
ليلى.
البنت فضلت تغني.
نادر نزل درجة كمان.
ليلى.
مفيش رد.
وبعدين الكلمات ظهرت وسط النغمات
بصوت يكاد ما يتسمعش
ماتبطليش لحد ما حد يفتكر.
إيد نادر شدت أكتر على سور السلم.
مين قالك الكلام ده؟
ليلى فتحت عينيها.
اتخضت جامد لدرجة إنها كانت هتقع من على السلم.
نادر لحقها ومسكها من كتفها.
اهدي.
بصت حواليها في مدخل الفيلا المظلم.
أستاذ نادر؟
إنتِ بتعملي إيه هنا تحت؟
شفايفها بدأت ترتعش.
مش عارفة.
إنتِ كنتِ بتغني.
أنا؟
أيوه.
ليلى فركت عينها بإيدها.
الست قالتلي لازم أغني.
نادر اتجمد مكانه.
أنهي ست؟
في الحلم بتاعي.
حلقه نشف.
شكلها كان عامل إزاي؟
ليلى قطبت حواجبها وهي بتحاول تفتكر.
مش عارفة.
بس إنتِ شفتيها.
لأ.
ليلى بدأت تتضايق.
أنا عارفة إنها موجودة بس مش قادرة أشوف وشها.
نادر نزل لمستواها وقعد على ركبته قدامها.
قالتلك إيه؟
قالتلي مابطلش لحد ما حد يفتكر.
صوت المطر كان لسه بينقر على الشبابيك.
ونادر بقى سامع ضربات قلبه بوضوح.
وفجأة
ليلى فتحت إيدها.
كان فيه حاجة صغيرة في كفها.
مفتاح نحاس.
مش مفتاح باب.
كان رفيع ودقيق بشكل غريب
مفتاح لفّ، من النوع اللي بيتستخدم في صناديق الموسيقى القديمة.
نادر فضل باصص له.
ناحية منه كانت ملساء من كتر الاستخدام.
والناحية التانية، تحت طبقة من الصدأ، كان فيه حرفين محفورين بالكاد باينين
G H
نادر حس إن نفسه اتقطع.
جريس هلال.
بنته.
اللي ماتت من تلات سنين.
واللي فضلت في ذاكرته طفلة عندها ست سنين للأبد.
نادر أخد المفتاح، وصوابعه بدأت ترتعش.
إنتِ جبتي ده منين؟
ليلى بصت لكف إيدها الفاضي.
مش عارفة.
عينيه بدأت تدمع.
لف وشه بسرعة للناحية التانية، محرج من دموعه رغم إن مفيش حد صاحي يشوفه.
ليلى لمست كم قميصه.
إنت بتعيط؟
لأ.
بصت له شوية.
وبعدين قالت بمنتهى البراءة
ماما بتقول إن الكبار بيقولوا لأ لما الإجابة تكون أيوه.
نادر كان على وشك يضحك.
لكن بدل الضحكة، طلع منه صوت مكسور.
والصوت ده خوّف ليلى أكتر من الدموع نفسها.
نادر قام بسرعة.
خليكي هنا.
أنا عملت حاجة غلط؟
لأ.
صوته طلع حاد من غير ما يقصد.
فسكّن نبرته وقال
لأ يا ليلى بس أوعي تتحركي من هنا.
كان بيت الخدم موجود بعد الجنينة الشرقية.
نادر عدى الممر الحجري المبلول من غير شمسية، وشد الروب عليه بسبب الهوا الساقع.
خبط على الباب جامد.
النور فتح تقريبًا في نفس اللحظة.
ماريا فيجا فتحت باب البيت وهي لابسة بنطلون تريننج رمادي وسويت شيرت جامعة قديم، وشعرها سايب حوالين وشها.
في إيه؟
نادر قال بسرعة
ليلى جوه.
بصت له باستغراب.
إيه؟
على سلمي.
وش ماريا شحب.
ده مستحيل.
هي صاحية دلوقتي.
لأ
ماريا خطفت كارديجان من على علاقة الباب.
أنا اطمنت عليها من عشرين دقيقة بس.
كانت نايمة؟
أيوه.
وإنتِ قفلتي الباب؟
ملامح نادر اتغيرت.
إنتِ بتقفلي عليها أوضتها؟
من بره.
خرجت بسرعة وسط المطر.
مش بقفل عليها بالمفتاح ده قفل أمان للأطفال. هي مرة مشت وهي نايمة لما كان عندها تلات سنين، وكانت هتوصل لسلالم البيت.
نادر مشي وراها.
إنتِ ماقولتيليش الكلام ده.
حصلت مرة واحدة.
وصلوا لأوضة ليلى.
الباب كان مقفول.
وقفل الأمان
كان لسه متعلق من بره.
ماريا وقفت مكانها.
ونادر وقف جنبها.
الاتنين بصوا لبعض
ومحدش فيهم قدر ينطق.
الفصل الأول
الساعة ٢١٧
الباب كان مقفول.
نادر فضل واقف قدامه ثواني طويلة، مش قادر يستوعب اللي شايفه.
ماريا كانت واقفة جنبه، وإيدها على قلبها.
قالت بصوت واطي
بس أنا قافلاه بنفسي.
نادر بص لها.
يعني إيه؟
يعني ليلى كانت نايمة جواه.
وإنتِ متأكدة؟
ماريا هزت راسها بسرعة.
أيوه. أنا دخلت عليها الساعة واحدة ونص تقريبًا. غطيتها وبوستها وقعدت جنبها خمس دقايق. وبعدها خرجت وقفلت قفل الأمان.
نادر مد إيده ناحية الباب.
افتحيه.
ماريا فتحت القفل.
الباب اتفتح ببطء.
الأوضة كانت ضلمة.
نادر دخل الأول.
سرير ليلى كان فاضي.
البطانية متكوّرة على جنب.
الدبدوب البني مرمي على الأرض.
والشباك مقفول.
ماريا شهقت
يا نهار أبيض!
جريت على السرير.
ليلى!
نادر لف بسرعة ناحية الحمام.
مفيش حد.
بص تحت السرير.
فاضي.
فتح الدولاب.
مفيش.
ماريا بدأت تبكي.
بنتي راحت فين؟
نادر مسك كتفها.
اهدي.
إزاي أهدى؟! بنتي اختفت من أوضتها!
نادر خرج من الأوضة بسرعة.
هي تحت.
ماريا بصت له.
إنت متأكد؟
أنا شوفتها بعيني.
طب إزاي؟
نادر ماردش.
لأنه هو نفسه مكنش عنده إجابة.
نزلوا السلم بسرعة.
ولما وصلوا للمدخل، لقوا ليلى قاعدة في نفس مكانها.
نفس الدرجة.
نفس البيجامة.
لكن المرة دي كانت ساكتة.
ومسندة راسها على السور.
أول ما شافت أمها، قامت وجريت عليها.
ماما!
إنتِ كنتِ فين؟!
ليلى اتخضت.
أنا هنا.
إنتِ خرجتي من الأوضة إزاي؟
ليلى بصت لنادر.
وبعدين لمامتها.
الباب كان مفتوح.
ماريا هزت راسها بعنف.
لأ. كان مقفول.
ليلى قالت بمنتهى البراءة
لأ يا ماما.
وسكتت لحظة.
الست فتحته.
الصمت نزل عليهم.
نادر قرب.
أنهي ست؟
ليلى بصت للسلم.
هي.
هي مين؟
اللي بتغني.
ماريا حضنت بنتها أكتر.
نادر حاول يخلي صوته هادي.
ليلى، مفيش حد هنا.
ليلى بصت له وكأنها مش فاهمة هو بيقول إيه.
هي هنا.
فين؟
البنت رفعت إيدها.
وأشارت لفوق.
ورا الباب الأزرق.
نادر رفع عينه ناحية الدور التاني.
في آخر الممر كان فيه باب أزرق قديم.
باب كان محدش بيدخله من سنين.
باب أوضة جريس.
بنته.
مراته السابقة كانت بتقول له دايمًا إنه لازم يقفل الأوضة دي وينساها.
لكن نادر عمره ما قدر.
بعد وفاة جريس، احتفظ بكل حاجة زي ما هي.
سريرها.
كتبها.
فستان الحفلة المدرسية.
صندوق الموسيقى.
حتى مشبك شعر صغير كانت بتحبه.
ومع مرور السنين، بقى الباب الأزرق جزء من الفيلا.
جزء محدش بيتكلم عنه.
ماريا بصت لنادر.
إنت مش هتفتح الباب ده.
نادر ماردش.
ليلى قالت
هي قالتلي المفتاح جوه.
نادر قبض على إيده.
أنهي مفتاح؟
ليلى بصت لكف إيدها.
كانت فاضية.
لكن نادر كان لسه حاسس ببرودة النحاس على صوابعه.
المفتاح اللي أخده منها.
مفتاح عليه حرفين
G H.
جريس هلال.
طلع السلم ببطء.
ماريا نادت عليه
نادر!
وقف.
ماتدخلش.
بصلها.
ليه؟
مش عارفة.
قالت وهي بتبلع ريقها
بس أنا حاسة إننا لو فتحناه، حاجات كتير هتتغير.
نادر بص للباب.
الحاجات اتغيرت من ساعة ما سمعت بنتك بتغني أغنية بنتي.
وصل قدام الباب.
دخل المفتاح في القفل.
الغريب إن المفتاح دخل بسهولة.
لفه.
تك.
الباب اتفتح.
ريحة خشب قديم وورد ناشف خرجت من الأوضة.
نادر وقف مكانه.
كل حاجة كانت زي ما سابها.
السرير الصغير.
الستارة البيضاء.
صور جريس.
كتبها.
علبة الألوان.
والموسيقى الصغيرة اللي كانت على الكومودينو.
نادر قرب منها.
صندوق موسيقى خشب.
كان غطاها مفتوح.
ماريا همست
هو ده…
نادر لمس الصندوق.
كان مقفول.
متأكد؟
أنا اللي قفلته.
رفع الصندوق.
كان خفيف.
قلبه.
لقى تحت قاعدة الصندوق ورقة صغيرة.
فتحها.
مكتوب عليها بخط طفل
لما بابا ينسى، غني له.
نادر حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.
ماريا قربت.
دي مش كتابة جريس.
نادر بص لها.
إنتِ عرفتي منين؟
أنا شفت خط جريس في صور كتير.
سكتت.
وبعدين قالت
دي كتابة طفلة.
نادر رجع يبص للورقة.
مين كتبها؟
قبل ما ماريا ترد، صوت ليلى جه من عند الباب
أنا.
الاتنين لفوا.
ليلى كانت واقفة في الممر.
نادر قرب منها.
إنتِ كتبتيها؟
هزت راسها.
لأ.
أمال مين؟
مش عارفة.
طب

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *