في كل يوم بعد الظهر
رأت شبحاً.
تأملت الست نادية مريم بعناية مرة أخرى، ثم سألتها عن اسمها.
أجابتها بصوت خفيض
اسمى مريم.
أشاحت السيدة بوجهها فوراً، ولم تتكلم لثوانٍ، ثم سألتها عن المكان الذي تعيش فيه.
أشارت مريم نحو الحارة الواقعة خلف السوق.
سألتها الست نادية سؤالاً آخر
وأمك؟
اختفت ابتسامة مريم وقالت
أمي مش موجودة… توفت.
تغيرت تعابير الست نادية واقتربت منها أكثر
كان اسم أمك إيه؟
ترددت مريم قليلاً ثم قالت
ماجدة.
تأثرت السيدة الثرية بشدة وكررت الاسم بصوت خاڤت
ماجدة…
انتابت مريم الدهشة، بينما مدّت الست نادية يدها في حقيبتها وأخرجت صورة قديمة ومتهالكة الأطراف، يبدو أنه تم الاحتفاظ بها لسنوات طويلة، وأرتها لمريم.
حدقت مريم في الصورة وتوسعت عيناها من الصدمة… كانت صورتها لأمها! ولكن بجوار أمها كانت تقف نسخة أصغر سناً من الست نادية نفسها.
نظرت مريم إلى السيدة بدهشة وقالت
أنتِ تعرفي أمي منين؟
أخذت الست نادية نفساً عميقاً وقالت
لأن أمك هي السبب في إني بقيت الست اللي شايفاها قدامك النهاردة.
لم تصدق مريم ما تسمعه.
ثم نظرت الست نادية إلى قفص الفاكهة وسألتها لماذا تبيع الفاكهة بدلاً من الذهاب إلى المدرسة.
خفضت مريم عينيها وأوضحت أنه بعد ۏفاة والدها، قالت زوجة أبيها إنه لا يوجد مال لتعليمها.
سكتت الست نادية، ثم سألتها سؤالاً أخيراً
هي مرات أباكِ تعرف أمك كانت مين في الحقيقة؟
نظرت إليها مريم بحيرة
يعني إيه؟
نظرت الست نادية نحو الطريق وقالت
لأن فيه حاجات عن ماضي أمك… فيه حد كان مخبيها عليكِ.
وكان الشيء التالي الذي كانت على وشك كشفه سيغير كل ما كانت تؤمن به مريم عن عائلتها!
طلبت الست نادية من مريم أن تجلس بجوار قفص الفاكهة.
كانت مريم لا تزال تمسك بالصورة القديمة، ولم تستطع التوقف عن التحديق في صورة أمها وهي تقف بجانب السيدة الثرية.
سألت مريم مجدداً
عرفتِ أمي إزاي؟
نظرت الست نادية إلى الصورة لبرهة وقالت
من سبعتاشر سنة، ما كانش حيلي حاجة. كنت لسة خسرانة تجاراتي، وكنت على وشك أترد من الأوضة الصغيرة اللي كنت متأجراها. في ليلة، قعدت على الرصيف أبكي لأني مكنتش عارفة هعمل إيه بكرة.
واستطردت
أمك لقيتني هناك.. ما كانتش تعرفني، وما كانش عندها أي سبب عشان تساعدني. بس أخدتني بيتها، أكلتني، وادتني فلوس للمواصلات.
وقبل ما أمشي، ادتني حاجة أغلى بكثير… ادتني أمل.
استمعت مريم في صمت، فواصلت الست نادية
أمك كان عندها مشغل خياطة صغير وقتها. قالتلي إن لو عندي رغبة حقيقية أبدأ من جديد، المفروض مكسفش أبدأ بحاجة صغيرة. وادتني القرشين اللي كانت حوشتهم، وأنا أخدت الفلوس دي وبدأت أبيع قماش وحريميات.. والمشروع الصغير ده كبر لحد ما بقى الشركة اللي ملكي النهاردة.
نظرت إليها مريم بعدم تصدق
طب وليه مدورتيش على أمي كل ده؟
تغيرت ملامح الست نادية للجدية وقالت
دورت عليها كتير.. بس بعد الموضوع ده بفترة قصيرة، أمك اختفت تماماً. رحت المكان اللي كانت عايشة فيه، ملقتهاش، وما حدش قدر يقولي راحت فين.
خفضت مريم رأسها وقالت
أبويا قال لي إنها سابتنا ومشت.
نظرت إليها الست نادية بسرعة وهزت رأسها بنفي
أمك مستحيل كانت تسيبك بإرادتها أبداً!
سألتها مريم بحيرة
ليه؟
فتحت الست نادية حقيبتها وأخرجت ظَرفاً مغلقاً
أنا لقيت الجواب ده من تلات سنين، بعتهولي حد كان يعرف أمك. احتفظت بيه لأني كنت لسة بحاول أوصلك.
حدقت مريم في الظرف.. كان اسم مكتوباً بخط اليد على الواجهة مريم.
بدأت دقات قلبها تتسارع، فمدت الست نادية يدها وسلمتها الظرف.
ولكن قبل أن تفتحه مريم، جاء صوت أشبه بالرعد من خلفهما
مريييييم!
التفتت مريم لتجد زوجة أبيها تقف على الجانب الآخر من الطريق…
وفي اللحظة التي لمحت فيها زوجة الأب الظرف في يد مريم… اهتزت ركبتها واختفى اللون من وجهها تماماً!
حكايات_شروق_خالد
حصري
مريم حسّت إن رجليها مش شايلينها، وبصت للراجل الغريب وهي مش قادرة تستوعب كلامه.
إنت بتقول إيه؟! أبويا ماټ من خمس سنين، وكان طول عمره بيقول إن أمي سابتنا ومشيت! إنت تعرف أبويا منين؟!
الراجل أخد نفس طويل، وبص لنادية قبل ما يرد.
أنا اسمي عم صبري، وكنت شغال مع أبوكي في مخزن قديم في شبرا. أبوكي كان راجل طيب، بس كان عايش في خوف طول الوقت، وكان كل ما يحاول يسأل عن أمك، تحصل له مشكلة تخليه يسكت.
مريم هزت راسها پعنف.
لأ، لأ، أنا مش فاهمة حاجة! يعني أمي ما سابتنيش؟ وأبويا كان عارف مكانها؟ طب ليه ما قاليش؟!
نادية قربت منها وحطت إيدها على كتفها.
اهدي يا مريم، لازم نعرف كل حاجة بالترتيب.
لكن عم صبري قاطعها بسرعة
مفيش وقت للترتيب يا مدام نادية. أنا عرفت إن المفتاح
ظهر، وعرفت إنكم هنا، وده معناه إن فيه حد تاني عرف كمان.
مريم بصت له پخوف.
حد مين؟!
قبل ما