اربع بنات
عمره ما كان هيسمح له ياخد الفلوس.
مريم نزلت على ركبتها قدام بنتها، ومسكت إيديها.
يا حبيبتي، ليه ما قولتيليش؟
نور عيطت.
عشان هو قال لي لو حكيتلك، هيخليكي تسيبينا وتروحي السجن. وقال إن محدش هيصدقنا، عشان إحنا عيال صغيرة.
مريم ضمت بنتها لصدرها، وفضلت تعتذر لها وهي بتعيط.
أما أنا، فحسّيت بغضب عمري ما حبيت أحس بيه.
مش عشان مراد حاول ينصب على عيلة.
لكن لأنه استخدم خوف أربع أطفال عشان يسكتهم، وخلاهم يحسوا إن حتى أمهم ممكن تضيع منهم لو اتكلموا.
طلب شريف من نور تسلّمه الفلاشة عشان تتسلم رسميًا للجهات المختصة، ورفضنا نشغّلها أو نغيّر أي حاجة فيها قبل توثيقها.
بعدها بدقايق، وصلت الشرطة بناءً على اتصال شريف، وبدأت تسمع أقوال الموجودين.
مراد كان بيكرر إنه ضحية مؤامرة، وإن كل اللي بيحصل سببه خلافات عائلية.
لكن قبل ما يخرج معاهم، لف ناحية مريم وقال بصوت واطي
إنتِ مش فاهمة إنتِ عملتي إيه. الناس اللي ورا الموضوع ده مش هيسيبوا حد في حاله.
مريم اتجمدت.
أنا قربت منها وقلت
ما تخافيش. أي تهديد جديد هيتوثق، وهنتعامل معاه بالقانون.
مراد خرج مع رجال الشرطة لاستكمال التحقيقات، لكن قبل ما الباب يقفل وراه، بص لي نظرة غريبة.
ماكانش فيها الغرور اللي شفته أول مرة.
كان فيها خوف.
خوف من حاجة أكبر منه.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت، وسمعت صوت راجل بيقول
يا آدم بيه، نصيحة من أخ لأخوه… اقفل الملف ده، وسيب مراد في حاله. الموضوع مش بتاعه لوحده.
وقبل ما أسأله هو مين، قفل الخط.
بصيت لشريف.
كان وشه اتغير.
قلت له
تعرف الرقم؟
هز راسه بالنفي.
لكن قبل ما يتكلم، وصل إشعار على موبايلي.
رسالة من نفس الرقم، فيها صورة قديمة للمهندس سامح الشاذلي، واقف جنب راجل تاني قدام مبنى شركة.
وتحت الصورة مكتوب
اسأل مريم مين كان آخر شخص شاف جوزها قبل الحادث.
رفعت عيني ناحية مريم.
كانت لسه حاضنة بناتها، وما تعرفش إن الحكاية اللي بدأت تحت ترابيزة كافيه بقت أكبر بكتير من مجرد خطوبة فاشلة.
الليلة اللي الحقيقة فيها خرجت للنور
ما أخدتش مريم وبناتها على بيتي مباشرة، لأن ده كان ممكن يعرّضهم لضغط إضافي، وكمان ما كنتش عايز أخلّيهم يحسوا إنهم انتقلوا من سلطة مراد لسلطتي.
بالتنسيق مع المحامية نهى، اتأمّن لهم مكان إقامة مناسب، واتعملت بلاغات رسمية بالتهديدات، وبدأت إجراءات حماية قانونية تضمن إن البنات يفضلوا مع أمهم طالما مفيش خطر عليهم.
أما أنا، فطلبت من شريف يراجع كل المستندات المتعلقة بشركة المهندس سامح.
وفي نفس الليلة، وصلني تقرير أولي عن الشخص اللي كان واقف جنب سامح في الصورة.
كان اسمه فؤاد البنا.
رجل أعمال كبير، واسم معروف في سوق العقارات، وكان شريكًا قديمًا لوالد مراد.
لكن المفاجأة الحقيقية ما كانتش في اسمه.
كانت في تاريخ الصورة.
الصورة اتاخدت قبل وفاة سامح بيوم واحد.
والملف اللي وصلني بعدها بساعتين كان فيه محضر حادث السيارة اللي مات فيه سامح.
الحادث اتسجل وقتها باعتباره فقدان سيطرة على الطريق بسبب السرعة.
لكن التقرير أشار إلى إن فيه عطل في نظام الفرامل، وإن فحصًا فنيًا إضافيًا ما اتعملش وقتها بسبب نقص بعض القطع.
ماكانش عندنا دليل إن الحادث مدبّر، وما كنتش هسمح لنفسي أتعامل مع الشك كأنه حقيقة.
لكن كان عندنا سبب قوي نطلب إعادة فحص الملف.
وفي صباح اليوم التالي، حصلت المفاجأة التانية.
مراد، بعد استجوابه الأول، طلب يتكلم مع المحققين، وقال إنه مستعد يقدم معلومات عن فؤاد البنا مقابل تخفيف مسؤوليته في قضية الأموال.
لكن المحققين ما وعدوهوش بأي امتياز، وطلبوا منه يقدم أدلة قابلة للتحقق.
وبدأ يعترف بحاجات ماكانش حد متوقع يسمعها.
قال إن فؤاد كان بيموّل شركة المشرق، وإنه هو اللي اقترح عليه يدخل حياة مريم بعد وفاة جوزها.
في البداية، مراد كان فاكر إنه هيساعد في إدارة أموال الشركة مقابل نسبة من الأرباح.
لكن بعد ما اكتشف إن سامح كان رافض التعامل مع فؤاد بسبب خلافات مالية، قرروا يستغلوا وفاة سامح عشان يعيدوا ترتيب ملكية الشركة.
ومع الوقت، مراد بدأ يطمع في نصيب أكبر.
كان عايز يتجوز مريم، ويحصل على توكيلات تخليه يتحكم في أموالها، وبعدها يقدر ينقل جزءًا من أصول الشركة بعيدًا عن الرقابة.
أما فؤاد، فكان عنده هدف أكبر استرداد السيطرة على مشروع عقاري ضخم كانت شركة سامح بتملكه بالشراكة مع مستثمرين آخرين.
لكن فيه حاجة واحدة مراد ما اعترفش بيها.
مين اللي عطّل فرامل عربية سامح؟
ولما المحقق سأله السؤال ده، رد
أنا ما كنتش موجود يوم الحادث، ومش هكدب وأقول إني أعرف مين عمل كده.
هل كان بيقول الحقيقة؟
ماحدش كان يقدر يجزم.
لكن المحققين لقوا إن فيه مراسلات مالية بين شركة مرتبطة بفؤاد وورشة صيانة كانت بتتعامل مع سيارة سامح قبل الحادث بأيام.
وده كان كفاية لفتح التحقيق من جديد، مش لإدانة حد، لكن للوصول للحقيقة.
وفي نفس الوقت، خبير الأدلة الرقمية بدأ يفحص الفلاشة الزرقا اللي سلمتها نور.
وبعد يومين، ظهر التسجيل اللي غيّر كل حاجة.
كان تسجيلًا لاجتماع بين مراد وفؤاد، اتكلموا فيه عن نقل أموال الشركة، وعن ضرورة الحصول على توقيع مريم قبل ما المحامي يكتشف التحويلات القديمة.
وفي آخر التسجيل، قال فؤاد جملة خلت المحققين يعيدوا سماع الجزء ده أكتر من مرة
أهم حاجة إن البنت الكبيرة ما تشوفش الورق اللي في المكتب. لو عرفت إن والدها كان سايب مستندات تثبت التلاعب، كل اللي بنعمله هينهار.
وهنا فهمنا ليه مراد كان مرعوب من الفلاشة.
نور ما كانتش مجرد طفلة لقت تسجيلًا بالصدفة.
هي كانت قريبة جدًا من ورق كان ممكن يكشف إن والدها، قبل موته، اكتشف جزءًا من المؤامرة وحاول يحمي بناته منها.
لكن لسه كان فيه مستند واحد ناقص.
المستند اللي يثبت إن سامح رفض الصفقة، وإنه طلب وقف التحويلات قبل الحادث.
واللي كان مخبّيه في مكان ما حدش يعرفه.
إلا شخص واحد.
مريم.
السر اللي سامح سابه لمراته
بعد ما سمعت التسجيل، مريم فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت
أنا افتكرت حاجة.
كلنا بصينا لها.
قالت إن سامح، قبل وفاته بيومين، رجع البيت متأخر جدًا، وكان واضح عليه القلق. دخل مكتبه، وطلب منها إنها ما تفتحش درج المكتب السفلي مهما حصل، إلا لو حد حاول ياخد البنات أو يضغط عليها عشان تمضي على أي أوراق.
وقتها، مريم افتكرت إنه بيتكلم عن شغل عادي.
لكن في الليلة نفسها، قال لها جملة ما نسيتهاش
لو حصل لي حاجة، أو حد حاول يقنعك إنك مش قادرة تحمي بناتنا لوحدك، افتكري إن القوة مش إنك تلاقي راجل يحل مكانك. القوة إنك تعرفي الحقيقة، وما تسمحيش لحد يقرر مستقبلك بدل منك.
مريم كانت فاكرة إن الدرج ده فاضي، لأنها فتشته بعد وفاة سامح وما لقتش فيه حاجة.
لكن لما رجعت هي والمحامية نهى للبيت، لاحظت إن ظهر الدرج أسمك من الطبيعي.
استدعوا مختصًا لفحص المكتب، ولقوا تجويفًا صغيرًا خلف اللوح الخشبي.
جواه كان فيه ظرف مختوم، ومفتاح ذاكرة إلكتروني، ونسخة من تقرير محاسبي.
التقرير أثبت إن سامح اكتشف تحويلات غير مبررة، وإنه أرسل إنذارًا رسميًا بوقفها قبل وفاته.
أما المفتاح الإلكتروني، فكان عليه نسخة من مراسلاته مع محاميه، وخطاب موثق بيحدد الأشخاص اللي يحق لهم إدارة أموال الشركة.
ماكانش فيه اتهام مباشر بقتل سامح، لكن المستندات كانت كافية لتأكيد إن فيه تلاعبًا ماليًا حصل، وإن سامح كان بيحاول يوقفه.
وبمجرد ما وصلت الأدلة للجهات المختصة، بدأت التحقيقات تتحرك بسرعة.
فؤاد البنا اتطلب للتحقيق، وبعد مراجعة الحسابات والمراسلات، ظهرت تحويلات جديدة، وشهادات موظفين سابقين، ومستندات مزورة مرتبطة بشركة المشرق.
وفي الوقت نفسه، اتعاد فحص حادث سامح، واتحدد موعد لسماع أقوال أشخاص كانوا مسؤولين عن صيانة السيارة وقتها.
أما مراد، فبقى قدام تحقيقات في الاحتيال والتزوير والتهديد، وكل تهمة اتفحصت بأدلتها، بعيدًا عن أي نفوذ أو تهديد.
لكن قبل ما القضية توصل للمحكمة، حصلت مواجهة ما كانتش مريم مستعدة لها.
مراد طلب يقابلها بحضور محاميها، وقال إنه عايز يعتذر.
مريم رفضت في البداية، لكن نهى قالت لها إن القرار قرارها، وإن مفيش أي ضرورة تقابله.
بعد تفكير طويل، وافقت على لقاء رسمي قصير، بحضور المحامية ومن غير أي تواصل منفرد بينهما.
دخل مراد غرفة المقابلة وهو مختلف تمامًا عن الراجل اللي شافته في الكافيه.
بدلته لسه غالية، لكن الثقة اختفت من وشه.
بص لمريم وقال
أنا عارف إني غلطت.
مريم ردت من غير ما ترفع صوتها
إنت ما غلطتش غلطة واحدة يا مراد. إنت فضلت تكذب عليّ، وتهدد بناتي، وتحاول تسرق حقهم، وتخليني أشك في نفسي عشان أصدق إنك الشخص الوحيد اللي يقدر يحمينا.
مراد نزل عينيه.
أنا كنت خايف أخسر كل حاجة.
ضحكت مريم ضحكة حزينة.
وإنت افتكرت إنك لما تخوف أربع أطفال، وتاخد أمهم رهينة لوعودك، هتكسب كل حاجة؟
ما ردش.
فكملت
أنا كنت ممكن أبدأ حياة جديدة مع شخص محترم. كنت ممكن أحب تاني. لكن إنت حولت فكرة الأمان لفخ، وخليت بناتي يخافوا حتى من كلمة بابا.
وبعدين قامت من مكانها، وقالت آخر جملة
أنا مش جاية أسمع اعتذارك عشان أسامحك. أنا جاية عشان أقول لك إنك مش هتتحكم في حياتنا تاني.
وخرجت.
ما بصتش وراها.
المحكمة… واليوم اللي مراد خسر فيه كل حاجة
التحقيقات استمرت شهور.
وخلال الفترة دي، المحكمة أصدرت قرارات تحفظية لحماية أموال الصندوق المخصص للبنات، ومنع التصرف في الأصول محل النزاع لحين الفصل في الملكية.
والأهم إن مريم ما سابتش القضية تتحول لمعركة شخصية.
ما استخدمتش نفوذ حد، وما حاولتش تنتقم من مراد بنفس أسلوبه.
كانت بتروح كل جلسة، وتقدم المستندات المطلوبة، وتسمع أقوال الشهود، وتسيب الأدلة تتكلم.
وفي النهاية، المحكمة أدانت مراد في الجرائم المالية والتهديدات اللي ثبتت بالأدلة، وصدر ضده حكم