اربع بنات
لمحة نيوز
منه وهمس في ودنه
يا مراد بيه، إحنا لازم نمشي من هنا حالًا.
مراد زقه بعيد بعصبية وقال
إنت اتجننت؟! أنا مش بخاف من حد!
بصيت له وأنا لسه ماسك معصمه، وقلت بهدوء
كويس. يبقى مش هتضايق لو قعدنا شوية نتكلم قدام الناس، صح؟
شد إيده أخيرًا لما سيبته، وعدّل جاكت بدلته، وحاول يرجّع الغرور لوشه.
أنا مش مطالب أبررلك حاجة. دول بنات خطيبتي، وأنا بحاول أحميهم من أمهم اللي مش عارفة تربيهم!
في اللحظة دي، أم البنات وصلت للترابيزة.
كانت بتنهج، ووشها شاحب، وأول ما شافتني واقف قدام مراد، اتسمرت مكانها.
بصت لي، وبعدين بصت لمراد، وبعدها نزلت بعينيها على البنات اللي لسه مستخبيين تحت الترابيزة.
يا بنات، تعالوا معايا.
التلاتة الكبار ما اتحركوش.
أما الصغيرة، ليلى، فلفّت دراعها حوالين رجلي أكتر، وقالت بصوت متقطع
لأ يا ماما… مش هنروح معاه.
الست حطت إيدها على بقها، والدموع لمعت في عينيها.
مراد استغل اللحظة، ومد إيده ناحيتها وقال بنبرة مصطنعة
شايفة؟ أهو ده اللي كنت بحذرك منه. البنات محتاجين راجل يعرف يسيطر عليهم، وإنتِ طول عمرك بتدلعيهم وبتخليهم يعملوا اللي هما عايزينه.
رفعت الست وشها وبصت له.
ولأول مرة، بدل ما أشوف الخوف في عينيها، شفت غضبًا كانت بتحاول تدفنه من شهور.
قالت له
أنا ما طلبتش منك تسيطر على بناتي يا مراد. أنا طلبت منك تحترمهم.
ضحك باستهزاء.
تحترمهم؟ أنا اللي كنت هبقى أبوهم! أنا اللي كنت هأمّن مستقبلهم!
هنا، ليلى خرجت من تحت الترابيزة، ووقفت جنب أمها، رغم إن رجليها كانوا بيرتعشوا.
وقالت جملة خلت الكافيه كله يسكت
إنت مش عايز تبقى بابانا… إنت عايز ماما تسكت عشان تاخد البيت بتاعنا!
مراد بص لها بصدمة.
وأنا، لأول مرة من بداية الموقف، حسّيت إننا مش قدام مجرد راجل متسلط بيحاول يفرض نفسه على ست وأربع بنات.
إحنا قدام حكاية أكبر بكتير.
حكاية ممكن تكون نهايتها مش مجرد فسخ خطوبة.
رفعت عيني ناحية أم البنات وسألتها
اسمك إيه؟
ردت بصوت ضعيف
مريم… مريم الشاذلي.
ومين مراد بالنسبة لك بالظبط؟
بصت له، وبلعت ريقها قبل ما تجاوب
كان المفروض نتجوز بعد شهرين.
والمفروض ده اتغيّر ليه؟
سكتت.
مراد دخل بسرعة في الكلام
لأن الست دي عصبية، ومش مستقرة نفسيًا، والبنات متأثرين بيها. أنا كنت بحاول أساعدهم، وهي قلبت الموضوع ضدي.
بصيت له وقلت
أنا ما سألتكش.
الجملة كانت بسيطة، لكن نبرتي خلّته يسكت.
رجعت لمريم.
احكيلي إنتِ.
مريم بصت حواليها، وكأنها بتتأكد إن محدش بيسمعنا، وبعدها قالت
جوزي مات من تلات سنين. كان مهندس، وسايب لي أربع بنات وبيت في التجمع وشوية فلوس في البنك. بعد وفاته، مراد ظهر في حياتي عن طريق شغل كان بينه وبين جوزي قبل ما يموت. في الأول، كان محترم جدًا، وبيساعدني في الورق والمشاوير، وبيتعامل مع البنات بحنية.
وقفت لحظة، ومسحت دموعها.
بعد فترة، بدأ يقولي إنه بيحبني، وإنه عايز يتجوزني عشان يحميّني ويحمي البنات. وأنا كنت خايفة أبدأ حياة جديدة، بس هو فضل يضغط عليّ، ويقول إن البنات محتاجين راجل في البيت.
سألتها
وإنتِ وافقتِ؟
هزت راسها.
وافقت على الخطوبة، لكني قلت له من البداية إن البنات لازم يحسوا بالأمان معاه قبل أي خطوة. وافق قدامي، وبعدها بدأ يتغير. بقى يعاقبهم لو ما سمعوش كلامه، ويمنع عنهم حاجات بيحبوها، ويزعق لهم لو نادوني باسمي بدل ما يقولوا له يا بابا.
ليلى قاطعتها فجأة
ومرة خبّى ماما في أوضة المكتب، وقال لنا إنها مش هتخرج غير لما توافق تكتب له على الورق!
مريم شهقت.
ليلى، حبيبتي…
لكن الصغيرة كملت وهي بتعيط
وإحنا سمعناه بيقول لواحد في التليفون إن أول ما يتجوز ماما، هيخلّيها تمضي على كل حاجة، وبعدها مش هيبقى ليها لازمة!
مراد انفجر
كدب! كل ده كدب!
لكن الغريب إنه ما بصش للبنت وهو بيقول كده.
كان باصص لي أنا.
وكأنه عارف إن كل كلمة بتتقال قدامي بتقربه من حفرة مش هيعرف يطلع منها بسهولة.
طلعت موبايلي، واتصلت بالمحامي بتاعي.
أستاذ شريف، عايزك تيجي كافيه المنشاوي حالًا. ومعاك رقم محامي متخصص في قضايا الأسرة، وخلي أي إجراء تعمله قانوني ورسمي. فيه أم وأربع أطفال محتاجين حماية، وفيه شخص لازم نعرف حقيقة تصرفاته.
قفلت المكالمة، وبعدها بصيت لمراد.
إنت هتقعد هنا لحد ما نفهم اللي حصل. محدش هيضربك، ومحدش هيعملك حاجة. لكن من اللحظة دي، مفيش ضغط على الست دي ولا على بناتها.
ضحك ضحكة متوترة.
وإنت فاكر نفسك الشرطة؟
رديت عليه
لأ. وعلشان كده الشرطة هي اللي هتسمع كلام كل الأطراف، وتشوف الأدلة، وتقرر.
الكلام ده ضايقه أكتر من أي تهديد.
لأنه كان متوقع إني أزعق، أو أمد إيدي عليه، أو أخرجه من الكافيه بالقوة، وبعدها يستخدم اللي حصل عشان يقلب الترابيزة على مريم.
لكن أنا ما كنتش هديه الفرصة دي.
أنا كنت عايز الحقيقة، مش مجرد إني أكسب خناقة.
وبعد أقل من عشر دقايق، حصلت أول مفاجأة.
دخل شريف المحامي، ومعاه ست اسمها نهى، محامية متخصصة في قضايا الأسرة.
لكن شريف ما جاش لوحده.
كان معاه ظرف بني كبير، أول ما شافه مراد، وشه فقد لونه.
لأن الظرف ده كان مكتوب عليه اسم شركة كان فاكر إنها اختفت من السوق من سنتين.
شركة اسمها الشاذلي للمقاولات.
شركة جوز مريم الراحل.
واللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن الظرف ده هيكشف إن موت جوزها، واختفاء جزء من فلوسه، ومحاولة مراد إنه يتجوزها بسرعة، كلهم خيوط في حكاية واحدة.
حكاية بدأت قبل ما البنات الأربع يدخلوا الكافيه بوقت طويل.
الظرف اللي مراد كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يختفي
شريف حط الظرف على الترابيزة، وفتح الملف اللي جواه، وطلع منه مجموعة صور ومستندات.
مراد أول ما شاف أول ورقة، قام من مكانه بعصبية.
إنت جبت الورق ده منين؟!
شريف ما ردش عليه. بص لمريم وسألها
مدام مريم، حضرتك تعرفي إن شركة جوزك كان عليها مديونية كبيرة قبل وفاته؟
مريم هزت راسها باستغراب.
مستحيل! جوزي كان بيسدد كل التزاماته، وكان عنده مشروع جديد قبل ما يموت. أنا عمري ما سمعت عن ديون بالمبلغ ده.
شريف طلع ورقة تانية.
فيه مستندات بتقول إن قبل وفاة زوج حضرتك بشهرين، اتعملت تحويلات مالية من حساب الشركة لحساب شركة تانية. وبعدها الشركة دي اتصفت، والفلوس اختفت.
مريم حطت إيدها على صدرها.
يعني إيه؟ مين عمل كده؟
شريف بص ناحية مراد.
اسم الشركة المستفيدة هو المشرق للاستثمار. والشخص اللي كان بيمثلها في المعاملات دي هو الأستاذ مراد فوزي.
الصمت نزل على المكان.
حتى الراجلين اللي كانوا مع مراد رجعوا خطوتين لورا.
مراد ضحك ضحكة قصيرة، وقال
اتهامات فارغة! أنا كنت شريك تجاري لزوجها، وكل التحويلات دي كانت قانونية.
شريف رد بهدوء
عظيم. يبقى هتقدر تفسرها قدام الجهات المختصة.
مراد لف ناحيتي.
آدم بيه، واضح إن الراجل ده بيحاول يستغل نفوذك عشان يلبسني قضية. أنا راجل أعمال معروف، ومش هسمح لحد يلطخ سمعتي.
كنت براقب عينيه، مش كلامه.
الراجل الواثق من نفسه بيطلب فرصة يثبت براءته.
إنما مراد كان مستعد يعمل أي حاجة عشان الملف ده يتقفل.
سألت شريف
إيه علاقة التحويلات بوفاة جوز مريم؟
شريف اتردد لحظة، وبعدين قال
لسه ما نقدرش نجزم إن فيه علاقة مباشرة. لكن فيه حاجة تانية تستحق التحقيق. قبل وفاة المهندس سامح الشاذلي بأسبوع، بعت إيميل لمحامي الشركة بيطلب منه يوقف كل التعاملات مع مراد. وفي نفس الإيميل، قال إنه اكتشف تلاعب في الحسابات.
مريم شهقت.
سامح كان عارف؟!
الظاهر كده. لكن الإيميل ده ما وصلش ليكي، وما اتفتحش إلا من يومين، لما الشركة القديمة طلبت نسخة من الأرشيف الإلكتروني.
مراد ضرب الترابيزة بكفه.
كفاية! أنا مش هقعد أسمع المهزلة دي!
تحرك ناحية الباب، لكن شريف قال جملة وقفته
فيه كمان وصية إضافية للمهندس سامح، اتسجلت عند المحامي بتاعه قبل وفاته بأسبوع.
مريم بصت له بذهول.
وصية؟! أنا أعرف وصيته الأصلية، ومفيهاش أي حاجة عن الموضوع ده.
شريف فتح الملف وطلع صورة موثقة.
الوصية دي بتوضح إن جزءًا من حصته في الشركة اتنقل لصندوق ائتماني مخصص لتعليم بناته الأربع وتأمين مستقبلهم، وإن إدارة الأموال مش من حق أي زوج مستقبلي للأم، مهما كانت صفته.
وبعدين بص لمريم وقال
فيه بند تاني، لو ثبت إن حد حاول يستولي على أموال الصندوق عن طريق التزوير أو الضغط أو الاحتيال، يحق للجهات المختصة تجميد التعاملات المالية المشبوهة لحين التحقيق.
مراد بقى شاحب لدرجة إن حتى الرجالة اللي معاه بدأوا يتبادلوا النظرات.
أما أنا، فبدأت أفهم.
مراد ماكانش مستعجل يتجوز مريم عشان يحبها أو يحمي بناتها.
هو كان محتاج يدخل العيلة من الباب الرسمي، ويستغل ثقة مريم فيه عشان يوصل لفلوس كان عارف إنها مش من حقه.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد
لو كان هدفه الفلوس، ليه البنات الأربع كانوا مرعوبين منه بالشكل ده؟
الإجابة جات من مكان ماكنتش متوقعه.
من بنت عمرها تسع سنين، اسمها نور.
التسجيل اللي قلب الطاولة
نور كانت أكبر البنات، وكانت طول الوقت ساكتة، قاعدة جنب أختها ليلى وبتحاول تبان قوية.
لكن لما سمعت اسم شركة المشرق، رفعت راسها فجأة.
أنا أعرف الاسم ده.
كلنا بصينا لها.
مريم قربت منها.
تعرفيه منين يا نور؟
نور دخلت إيدها في جيب بالطوها، وطلعت فلاشة صغيرة لونها أزرق.
لقيت دي في مكتب عمو مراد من أسبوعين. كنت بدور على رسمة كنت رسمتها، ولما دخلت المكتب سمعته بيتكلم في التليفون. أول ما شافني، زعق لي وأخد مني الرسمة، بس أنا كنت خدت الفلاشة قبل ما يشوفني.
مراد اندفع ناحيتها.
هاتي اللي في إيدك!
لكن واحد من أفراد الأمن اللي كانوا واقفين عند باب الكافيه وقف في طريقه، من غير ما يلمسه.
أنا بصيت لمراد وقلت
اقعد مكانك.
صرخ
دي طفلة! إنت هتصدق كلام طفلة وتتهمني بالجرايم؟!
نور كانت بتترعش، لكن المرة دي ما خبّتش الفلاشة.
قالت بصوت مبحوح
هو قال لواحد في التليفون إن بعد ما يتجوز ماما، هيخليها تمضي على توكيل، وإن فيه ورق ناقص لازم يخلص قبل كتب الكتاب. وقال كمان إن لو بابا كان عايش،