لما طلبت اروح ارتاح يومين

وسم أمه.. فربنا بعت لنا إنت يا مصطفى بكاميرا الخوذة عشان تكون طوق النجاة. شهامتك مش هننساها طول العمر.
مصطفى، بشهامة الشاب المصري البسيط، حنى رأسه خجلاً وقال
يا مدام ندى، أنا معملتش غير اللي يمليه عليا ضميري.. ربنا مبيسبش مظلوم، والشباك الموارب مكنش صدفة، ده كان تدبير صاحب الملك عشان الحق يرجع لأصحابه.
شيماء مسحت على رأس أختها وسألتها بابتسامة دافئة
هتسميها إيه يا ندى؟
نظرت ندى إلى الطفلة التي كانت تمسك بإصبعها بقوة وقالت بحزم وأمل
هسميها حياة.. عشان هي دي الحياة الحقيقية اللي هعيشها بكرامتي وبحريتي، ومن غير خوف من أي باب يتقفل بالمفتاح في وشي تاني.
بعد عام كامل من الواقعة، كانت قاعة محكمة جنايات القاهرة تضج بالحضور في الجلسة الختامية للقضية التي شغلت الرأي العام.
داخل القفص الحديدي، كان طارق يقف بملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، منكس الرأس، شاحب الوجه، بعدما سقطت كل أوهام النرجسية والتحكم، وبجواره جلست الحاجة سعاد على كرسي متحرك، تائهة النظرات بعدما رفض الجميع حتى زيارتها في السچن.
وعلى الجانب الآخر من القاعة، وقفت ندى بكامل شموخها وأناقتها، تحمل ابنتها حياة التي بلغت عامها الأول، وتستند إلى شقيقتها شيماء ومحاميها الذي رافقها طوال رحلة استرداد كامل حقوقها المالية والشرعية، بما فيها فسخ عقد الزواج للضرر، واسترداد كافة منقولاتها، والتحفظ على أملاك طارق وأمه كتعويض مدني مؤقت.
ضړب القاضي بمطرقته ثلاث ضربات حاسمة ساد معها الصمت التام في القاعة، وتلا منطوق الحكم التاريخي
بعد الاطلاع على مواد قانون العقوبات، وبإجماع الآراء، قررت المحكمة إحالة أوراق القضية إلى فضيلة مفتي الديار المصرية، لإبداء الرأي الشرعي في توقيع عقۏبة الإعدام شنقاً على المتهمين طارق فتحي، وسعاد مصطفى، لما ثبت في حقهما من جناية القټل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمجني عليها الأولى رانيا، والشروع في القټل العمد والتسميم والټعذيب واحتجاز الرهائن للمجني عليهما ندى وشيماء.. مع معاقبة المتهمين الشركاء بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً.
دوت القاعة بالتكبير والزغاريد، بينما سقط طارق مغشياً عليه داخل القفص، وأطلقت أمه صړخة عاجزة لم تجد من يلتفت إليها أو يرحمها.
خرجت ندى من مجمع المحاكم إلى شمس الظهيرة الدافئة. نظرت إلى السماء وتنفسَت الصعداء، كأنها تستنشق الهواء النقي للمرة الأولى في حياتها.
لم تعد ندى تلك الفتاة التي ترضى بالإهانة خوفاً من كلام الناس، ولا تلك الزوجة التي تقبل أن ټضرب وتُهان وتُعزل عن أهلها تحت مسمى الصبر على خړاب البيوت.
من أموال التعويضات وجزء من تركة والدها، قامت ندى وشيماء بتأسيس مركز قانوني ونفسي مجاني يحمل اسم مؤسسة حياة لدعم المرأة المعنفة، وكان أول الموظفين والمسؤولين التنفيذيين فيه الشاب مصطفى، الذي تم تمويل مشروعه الخاص لشراء أسطول شحن صغير تقديراً لشهامته وأمانته.
أما الدرس الأكبر الذي حفرته تلك المأساة في وجدان كل من سمع بها، فكان حقيقة ناصعة كالشمس
إن البيوت لا تُبنى على الصمت أمام الظلم، وإن الرجل الذي يتجرأ على مد يده مرة واحدة بداعي التربية سيتجرأ في المرة القادمة على سلب الروح بداعي الامتلاك. السكوت عن أول إهانة ليس صبراً ولا حكمة، بل هو التوقيع الأول على وثيقة التنازل عن الإنسانية. والكرامة ليست رفاهية تُترك لإرضاء الجلادين، بل هي السياج الوحيد الذي يحمي الأرواح، ويضمن أن تظل الأبواب مفتوحة على النور.. لا على مقاپر الطغيان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *