عدت الى البيت مبكرا

أول ما لفت انتباهي كان البرد، فقد كانت الشقة باردة على نحو غير معتاد، وبعيدة كل البعد عن البيت الدافئ الذي توقعت العودة إليه بعد رحلة طويلة، ووقفت قرب المدخل لحظة مندهشا من درجة الحرارة التي لسعت وجهي ويديّ رغم أنني كنت ما أزال أرتدي معطفي الثقيل. ثم لاحظت شيئا آخر زاد قلقي، فقد كانت الشقة هادئة تماما، وكانت ليلة رأس السنة، ومع ذلك لم تكن هناك أي زينة تستقبل المناسبة، ولا موسيقى تُسمع من أي غرفة، ولم أسمع أيًّا من الأصوات المألوفة التي تصدر عادة من مطبخنا حين يُعدّ أحدهم العشاء أو يحرّك الأواني. كان كل شيء ساكنا على نحو غريب، وكانت الستائر مسدلة، وكان الضوء الخافت القادم من غرفة المعيشة هو الوحيد الذي يكسر عتمة الممر الطويل.

تقدمت إلى الداخل وأنا أحمل الورد، وأنظر حولي بحثا عن زوجتي، وناديت بصوت حاولت أن أجعله مرحا رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدري: نادين؟ حبيبتي، لقد عدت! انتظرت صوتها المألوف يجيبني من الداخل، لكن لم يجبني أحد، فوضعت حقيبتي بهدوء قرب الباب ومشيت نحو غرفة المعيشة وأنا أستمع إلى صمت البيت الذي كان أثقل من أي كلام. هناك رأيتها جالسة على الأريكة تحت بطانيتين رقيقتين، تضم عمر إلى صدرها، وكان وجهها شاحبا، وشعرها مربوطا بإهمال، وترتدي السترة الرمادية نفسها التي حزمتها معها إلى المستشفى يوم الولادة.

رفعت نادين رأسها حين سمعت وقع خطواتي، وبدت للحظة وكأنها لا تصدق أنني واقف أمامها حقا، ثم همست بصوت مرتجف: كريم؟ فأسرعت نحوها وجلست بجانبها على حافة الأريكة، وقلت لها وأنا أحاول أن أبتسم رغم ما أراه: مفاجأة يا حبيبتي، تمكنت من حجز رحلة أبكر. حاولت هي أن تبتسم، لكن عينيها امتلأتا بالدموع، ثم قالت شيئا لن أنساه أبدا: الحمد لله أنك عدت، لم أكن أعرف ماذا سأفعل الليلة. جثوت بجانب الأريكة ومددت يدي لألمس يدها الباردة، وكان عمر ملفوفا ببطانية تبدو أرق من أن تحميه من البرد الذي يسود شقتنا، وكان أنفه الصغير محمرّا من الهواء البارد.

سألتها وأنا أنظر حولي إلى الغرفة الباردة: لماذا الجو بارد هكذا هنا؟ فأجابتني بصوت متعب وهي تشد البطانيتين حول كتفيها: تعطلت التدفئة أمس، اتصلت بإدارة العمارة، لكنني لم أجد أحدا يأتي قبل الليلة. كان كلامها هادئا، لكنه كشف عن يوم كامل قضته تحاول أن تتدبر أمرها وحدها وهي ما تزال تتعافى من جرحها، ولم أستطع أن أتخيل كيف نامت الليلة الماضية في هذا البرد ومعها مولود لا يملك من الدفء إلا ما تمنحه إياه ذراعاها. نهضت وفحصت جهاز التدفئة في الممر، فوجدته صامتا تماما، ولمست الأنابيب الباردة، وأدركت أن العطل ليس بسيطا وأنه يحتاج إلى فني مختص لن يأتي في ليلة رأس السنة بسهولة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *