حماتي اتصل بابي

عيني بسببكم.. كل كلمة جارحة سمعتها منكم.. كل ليلة نمت فيها وأنا قلبي مكسور. أريد أن أبدأ حياتي فيه من جديد.. نظيفة من ذكرياتكم. أرجوكم.. لا تجعلوا الأمر أصعب مما هو كائن.
الجزء الرابع أسبوع من الصمت والذكريات
مرت الأيام السبعة كدهشة طويلة. كنت أذهب إلى عملي صباحاً، وأعود مساء فأجدهم جميعاً صامتين. لم يكلمني أحد، ولم أكلّم أحداً. فقط نعيش في نفس المكان كأشباح تنتظر الرحيل.
ذات مساء، سمعت صفاء تبكي في المطبخ بصوت منخفض. لم أذهب إليها، لكنني تركتُ على الطاولة كوب شاي دافئ ودواء الضغط الذي تنساه دائماً. لم تشكرني، لكنني رأيت الكوب فارغاً في الصباح التالي.
في اليوم الأخير، وجدتُ كريماً جالساً وحيداً في الحديقة التي زرعتها بيديّ. كان يمسك بغصن ياسمين ذبل قليلاً في الحر الشديد. اقتربتُ منه ببطء
كان يمكن أن نكون سعداء يا داليا.. لو كنتِ سمحتِ لنا بأن نكون عائلة.
أجبتُه بصدق وأنا أنظر إلى النبتة التي كادت ټموت ثم عاشت من جديد
أنا لم أمنع شيئاً. أنا عرضت عليكم بيتي وقلبي ومالي وكل ما أملك. أنتم من اخترتم أن تقفوا على الباب وتمنعوني من الدخول إلى نفوسكم. العائلة مش أن تعيشوا تحت سقف واحد.. العائلة أن تشعروا بعضكم بالأمان. وأنا لم أشعر بالأمان هنا إلا نادراً جداً.
الجزء الخامس الباب الذي أُغلق ليُفتح من جديد
صباح اليوم الثامن، وصلت سيارات النقل في الموعد الذي حددوه. رأيتهم يحملون الصناديق والأمتعة، ورأيت صفاء تنظر إلى الحديقة بعين دامعة، وكأنها لأول مرة ترى جمال ما حولها. وقفت عند البوابة ونظرت إليّ نظرة طويلة، ثم قالت بصوت بالكاد يسمع
سامحيني يا بنتي.. كنت أظن إن الكرامة في الصوت العالي والتحكم.. واكتشفت متأخرة إن الكرامة الحقيقية في القلب الطيب اللي ما نعرفش نحافظ عليه إلا حين يضيع.
لم أقل
شيئاً. فقط أومأتُ برأسي باحترام. ركبت سيارتهم، وغادروا الحي الذي عاشوا فيه سبع سنين. وبمجرد أن اختفت السيارة من أمام البوابة، أغلقتُ الباب، وأدرتُ المفتاح في القفل، وشعرتُ لأول مرة منذ سنوات طويلة أن هذا المكان.. بيتي حقاً.
لم أغير شيئاً كثيراً في البيت في البداية. فقط أزلتُ صورهم من على الجدران، ووضعتُ مكانها لوحات بسيطة أحبها. فتحتُ جميع النوافذ، ودعوتُ الشمس تدخل كل ركن وزاوية. اشتريتُ أصيصاً جديداً للياسمين، وقررت أن أتعلم كيف أعتني بنفسي بنفس القدر الذي كنتُ أعتني بهم جميعاً.
بعد أسبوع، وجدتُ على عتبة الباب ظرفاً صغيراً لا يحمل اسم مرسل. بداخله مظروف مالي بقيمة نصف المبلغ الذي كان كريم قد أخذه مني، وملاحظة مكتوبة بخط ندى
شكراً لأنكِ لم تذلينا أمام الناس. سنحاول أن نعيد الباقي تدريجياً. آسفة.. على كل شيء.
لم أعد المبلغ. احتفظتُ به في حساب منفذ، ليس لأنني أحتاج إليه.. بل لأنني أردتُ أن أتذكر
دائماً أن الناس يتغيرون أحياناً، وأن الباب الذي يُغلق بقسۏة قد يفتح يوماً ما على سبيل المغفرة، وليس بالضرورة العودة.
الجزء السادس العنوان الجديد لنفسي
مر عام كامل. لم أندم على قرار واحد اتخذته في تلك الأيام العصيبة. أسستُ مشروعي الصغير الخاص، وهو حضانة ومركز تأهيل للسيدات اللواتي مررن بظروف مشابهة لظروفي، أسميته بيت البدايات. لم أكن أملك تمويلاً ضخماً، لكنني كنت أملك الخبرة والحكمة التي اكتسبتها بثمن غالٍ جداً.
وذات يوم، وأنا أقف في حديقة منزلي القديم والجديد في آنٍ واحد، وأسقي شتلات الياسمين التي ازدهرت وملأت المكان برائحتها العطرة، سألت نفسي هل سامحتهم حقاً؟ وأجبت نفسي بكل صدق نعم سامحتهم، لكنني لم أنسَ. لأن النسيان ليس شرطاً للمغفرة. المغفرة هي أن تترك الماضي حيث ينتمي.. في الماضي، وتمشي إلى الأمام دون أن تحمل معك ثقل الكراهية.
كتبتُ في دفتري تلك الليلة
البيت ليس جدراناً وسقفاً يا نفسي.. البيت هو المكان الذي تُحترمين فيه، وتكونين على طبيعتك دون أن تضطري للدفاع عن نفسك دائماً.
لا تبيحي قلبك لمن يأتيك بشروطه الخاصة. من يدخل حياتك يجب أن
يعرف أنكِ لستِ خادمة، ولستِ هدية، ولستِ جائزة يفوز بها.. أنتِ صاحبة المكان، والضيف يجب أن يحترم قواعد البيت.
وأهم درس تعلمته لا تخافي من أن يغادرك الناس. اخاڤي من أن تبقي مع أشخاص يجعلونك تشعرين أنكِ لستِ كافية. لأنكِ كافية.. وأكثر من كافية. وبيتك الحقيقي هو ثقتك بنفسك.. وهذا البيت لا يستطيع أحد أن يطردكِ منه أبداً، مهما حدث.
تمت القصة بحمد الله

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *