عدت الى البيت مبكرا
في تمام السادسة وإحدى وأربعين دقيقة مساء من ليلة رأس السنة، نزلت من سيارة الأجرة أمام العمارة التي نسكن فيها في حي الزمالك بالقاهرة، وكنت أحمل في يدي حقيبة سفر صغيرة، وفي اليد الأخرى باقة ورد أبيض اشتريتها لزوجتي نادين، وفي حقيبتي سترة زرقاء صغيرة اخترتها لابني عمر من متجر صغير لملابس الأطفال قبل أن أتوجه إلى المطار في الرياض. كنت قد غيّرت خطة سفري وحجزت رحلة أبكر من موعدي الأصلي، وقررت ألا أخبر نادين بشيء، لأنني أردت أن تكون عودتي مفاجأة تليق بأسابيع الانتظار الطويلة التي قضيتها بعيدا عنهما وأنا أعمل على مشروع إنشاءات في الرياض. كنت أتخيل نفسي وأنا أفتح باب الشقة فأرى السعادة على وجهها، وأتخيلها تبتسم حين تدرك أنني وصلت قبل الموعد الذي ظنّته، ولم أكن أطيق صبرا حتى أحمل عمر بين ذراعيّ وأتأمل وجهه الصغير لأول مرة عن قرب.
اسمي كريم المنصوري، وعمري تسعة وثلاثون عاما، وقبل تلك الليلة كنت أؤمن دائما بأن عائلتي ستكون إلى جانبي حين أحتاج إليها أكثر من أي وقت، وأن أمي على وجه الخصوص لن تترك نادين وحدها في أصعب أيام حياتها. على مدى قرابة ثلاثة أسابيع كنت في الرياض، وخلال تلك المدة رزقت نادين بطفلنا الأول، وكان ابننا الصغير عمر قد جاء إلى الدنيا قبل موعده المتوقع، وبسبب الظروف المفاجئة التي أحاطت بولادته احتاجت نادين إلى عملية قيصرية طارئة قبل أحد عشر يوما فقط من عودتي. كان بعدي عنهما في تلك الأيام الأولى أمرا شاقا للغاية، وكنت أفكر كل يوم في نادين وعمر، وأتخيل نفسي وأنا أحمل طفلي، وأشعر أخيرا بأننا نحن الثلاثة صرنا أسرة واحدة، وكان تفويت تلك اللحظات الغالية من أصعب ما مررت به في حياتي المهنية كلها.
بينما ابتعدت سيارة الأجرة عن الرصيف، وقفت أمام العمارة ومعي حقيبتي وورودي وكل الفرح الذي حملته معي من الرياض، ولم يكن لدي أي فكرة عما ينتظرني في الأعلى، ولم أكن أعلم أن نادين قضت اليومين الماضيين قلقة من كيفية تدبّر ليلة أخرى وحدها مع مولود صغير وجسد ما زال يتعافى من جراحة كبيرة. صعدت الدرج بخطوات سريعة، وكان قلبي يخفق فرحا، وكنت أستمع إلى صدى خطواتي في الممر الهادئ، وألاحظ أن أضواء العمارة خافتة وأن رائحة الطعام التي اعتدت أن أشمها في مثل هذه الليالي غائبة تماما عن المكان. فتحت باب شقتنا بمفتاحي، وتوقعت أن أجد دفئا وزينة رأس السنة وصوتا مألوفا يناديني، لكن ما إن دخلت حتى أحسست بأن هناك أمرا غير طبيعي يخيّم على المكان كله.